حليل بن حبشية الذكور قد ارتحلوا من مكّة إلى مرّ الظّهران ، فرارا من وباء كان قد وقع بمكة ، وكان حليل بن حبشيّة قد تخلّف مفردا مع ابنته حتى تزوّجها قصيّ ، فحضرته الوفاة وهو معها ، ولم يكن أحد من أولاده الذكور حاضرا معه ، فلأجل ذلك أوصى إلى ابنته حبّى ، ودفع إليها مفاتيح الكعبة ، وجعل عندها أبا غبشان ، معينا لها على فتح البيت وإغلاقه ، وقال لها : إذا رفع اللّه هذا الوباء ، ولم يبق داء ، فابعثي إلى إخوتك ، فادفعي هذه المفاتيح إليهم ، ليكونوا مكاني . فلمّا مات ، ورجع أمر حبّى إلى زوجها قصيّ بن كلاب ، وكبر ولده ، وطال التنحّي بولد حليل بن حبشيّة ، رأى قصيّ أنه أولى بأمر الكعبة من خزاعة ، فقال عند ذلك قصيّ لعبد الدّار ولده ، وهو ابن حبّى ، وكان أكبر ولده : يا بنيّ ، لو سألت أمّك أن تصير إليك مفاتيح الكعبة ، فتكون في يدك ، فإذا رجع أخوالك رددت ذلك إليها ، فسلّمته إليهم . فسألها ولدها عبد الدّار ، ففعلت له ، وأجابت إلى ذلك ، ودفعت إليه المفاتيح .
ثم إنّ قصيّا جعل يلطف لأبي غبشان ويختدعه ، حتى اشترى ما كان له من معاونة حبّى ، فثبتت في أيديهم غدرا واختداعا . ففي ذلك يقول بعض شعرائهم ، ينفي الظّلم عن قصي بن كلاب :
أبو غبشان أظلم من قصيّ * وأظلم من بني فهر « 1 » خزاعة
فلا تلحوا قصيّا في شراه * وولّوا « 2 » شيخكم إذ كان باعه
فلمّا ارتفع الدّاء وانقشع الوباء ، عاد بنو حليل بن حبشيّة يطلبون إلى أختهم المفاتيح ، فامتنع بها قصيّ وأولاده ، وثبتت في أيديهم ، فعزمت خزاعة على حرب قصيّ . وكلّم
هامش
( 1 ) بنو فهر : قريش .
( 2 ) كذا في الأصول ، ولعل صوابها : ولوموا .