ثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الخواص . قال : سمعت ذا النون يقول : من أدرك طريق الآخرة فليكثر مساءلة الحكماء ومشاورتهم ، وليكن أول شيء يسأل عنه العقل ، لأن جميع الأشياء لا تدرك إلا بالعقل ، ومتى أردت الخدمة للّه فاعقل لم تخدم ثم أخدم .
* حدثنا عثمان بن أحمد ثنا أحمد بن محمد بن عيسى قال سمعت يوسف بن الحسن يقول : أتى رجل من أهل البصرة ذا النون فسأله : متى تصح لي عزلة الخلق قال : إذا قويت على عزلة نفسك . قال : فمتى يصح طلبي للزهد قال : إذا كنت زاهدا في نفسك هاربا من جميع ما يشغلك عن اللّه لان جميع ما شغلك عن اللّه هي دنيا . قال يوسف : فذكرت ذلك لطاهر القدسي فقال : هذا نزل أخبار المرسلين .
* حدثنا أبي ثنا أحمد بن محمد بن مصقلة ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان قال : سمعت ذا النون المصري - وسئل : أي الحجاب أخفى الذي يحتجب به المريد عن اللّه ؟ فقال : ويحك : ملاحظة النفس وتدبيرها . وقال ذو النون :
وقال بعضهم : علم القوم بأن اللّه يراهم على كل حال فاحترزوا به عمن سواه فقال له غيره من أصحابه من الزهاد - وكان حاضرا بمجلسه يقال له طاهر - يا أبا الفيض رحمك اللّه ! بل نظروا بعين اليقين إلى محبوب القلوب فرأوه في كل حالة موجودا ، وفي كل لمحة ولحظة قريبا ، وبكل رطب ويابس عليما ، وعلى كل ظاهر وباطن شهيدا ، وعلى كل مكروه ومحبوب قائما ، وعلى تقريب البعيد وتبعيد القريب مقتدرا . ولهم في كل الأحوال والاعمال سائسا ، ولما يريدهم به موفقا ، فاستغنوا بسياسته وتدبيره وتقويته عن تدبير أنفسهم ، وخاضوا البحار وقطعوا القفار بروح النظر إلى نظره البهيج ، وخرقوا الظلمات بنور مشاهدته ، وتجرعوا المرارات بحلاوة وجوده ، وكابدوا الشدائد واحتملوا الأذى في جنب قربه وإقيان عليهم ، وخاطروا بالنفوس فيما يعلمون ويحملون ثقة منهم باجتيازه ، ورضوا بما يضعهم فيه من الأحوال محبة منهم لإرادته وموافقة لرضاه ، ساخطين على أنفسهم معرفة منهم بحقه ، واستعدادا للعقوبة
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء — صفحة 352
مساهمون: أبي نعيم الأصبهاني
ص٣٥٢