تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
الذين قطعوا أودية الشكوك باليقين ، واستعانوا على أعمال الفرائض بالعلم ، واستدلوا على فساد أعمالهم بالمعرفة ، وهربوا من وحشة الغفلة وتسربلوا بالعلم لاتقاء الجهالة ، واحتجزوا عن الغفلة بخوف الوعيد ، وجدوا في صدق الأعمال لادراك الفوت ، وخلوا عن مطامع الكذب ومعانقة الهوى ، وقطعوا عرى الارتياب بروح اليقين وجاوزوا ظلم الدجا ودحضوا حجج المبتدعين باتباع السنن ، وبادروا إلى الانتقال عن المكروه قبل فوت الامكان ، وسارعوا في الاحسان تعريضا للقعود عن الإساءة ولاقوا النعم بالشكر استجلالا لمزيده ، وجعلوه نصب أعينهم عند خواطر الهمم وحركات الجوارح من زينة الدنيا وغرورها ، فزهدوا فيها عيانا ، وأكلوا منها قصدا وقدموا فضلا ، وأحرزوا ذخرا ، وتزودوا منها التقوى ، وشمروا في طلب النعيم بالسير الحثيث والأعمال الزكية ، وهم يظنون بل لا يشكون أنهم مقصرون ، وذلك أنهم عقلوا فعرفوا ثم اتقوا وتفكروا فاعتبروا حتى أبصروا ، فلما أبصروا ستولت عليهم طرقات أحزان الآخرة ، فقطع بهم الحزن حركات ألسنتهم عن الكلام من غير عى خوفا من التزين فيسقطوا من عين اللّه ، فأمسكوا وأصبحوا في الدنيا مغمومين ، وأمسوا فيها مكروبين ، مع عقول صحيحة ، ويقين ثابت ، وقلوب شاكرة ، وألسن ذاكرة وأبدان صابرة وجوارح مطيعة أهل صدق ونصح وسلامة وصبر وتوكل ورضى وايمان . عقلوا عن اللّه أمره فشغلوا الجوارح فيما أمروا به وذكر وحياء وقطعوا الدنيا بالصبر على لزوم الحق وهجروا الهوى بدلالات العقول وتمسكوا بحكم التنزيل وشرائع السنن ولهم في كل ثارة منها دمعة ولذة وفكرة وعبرة ولهم مقام على المزيد للزيادة . فرحمة اللّه علينا وعليهم وعلى جميع المؤمنين والصالحين . قال : وسمعت ذا النون يقول : إياك أن تكون في المعرفة مدعيا وتكون بالزهد محترفا وتكو بالعبادة متعلقا فقيل له : يرحمك اللّه ! فسر لنا ذلك . فقال اما علمت أنك إذا أشرت في المعرفة إلى نفسك بأشياء وأنت معرى من حقائقها كنت مدعيا ؟ وإذا كنت في الزهد موصوفا بحالة وبك دون الأحوال كنت محترفا وإذا علقت بالعبادة قلبك وظننت أنك تنجو من اللّه بالعبادة لا باللّه كنت بالعبادة متعلقا لا يوليها والمنان عليك ؟ . قال : وسمعت