علم ما تريد ، وان نطقت لم تنل بنطقك ما لا يريد ، وعلمه بمرادك ينبغي أن يغنيك عن مسألته أو ينجيك عن مطالبته .
* حدثنا أحمد بن محمد قال سمعت أبا محمد يقول سمعت إسرافيل يقول سمعت ذا النون يقول : سمعت بعض المتعبدين بساحل بحر الشام يقول إن للّه عبادا عرفوه بيقين من معرفته فشمروا قصدا اليه ، احتملوا فيه المصائب لما يرجون عنده من الرغائب ، صحبوا الدنيا بالأشجان ، وتنعموا فيها بطول الأحزان ، فما نظروا إليها بعين راغب ، ولا تزودوا منها الا كزاد الراكب ، خافوا البيات فأسرعوا ، ورجوا النجاة فأزمعوا ، بذكره لهجت ألسنتهم في رضى سيدهم ، نصبوا الآخرة نصب أعينهم ، وأصغوا إليها بآذان قلوبهم ، فلو رأيتهم رأيت قوما ذبلا شفاههم ، خمصا بطونهم ، حزينة قلوبهم ، ناحلة أجسامهم ، باكية أعينهم . لم يصحبوا العلل والتسويف ، وقنعوا من الدنيا بقوت طفيف لبسوا من اللباس أطمارا بالية ، وسكنوا من البلاد قفارا خالية ، هربوا من الأوطان واستبدلوا الوحدة من الاخوان ، فلو رأيتهم لرأيت قوما قد ذبحهم الليل بسكاكين السهر ، وفصل الأعضاء منهم بخناجر التعب ، خمص لطول السرى شعث لفقد الكرا ، قد وصلوا الكلال بالكلال ، وتأهبوا للنقلة والارتحال .
* أخبرنا احمد قال سمعت أبا محمد يقول سمعت إسرافيل يقول : حضرت ذا النون في الحبس وقد دخل الجلواذ بطعام له ، فقام ذو النون فنفض يده فقيل له : ان أخاك جاء به ، فقال : إنه مر على يدي ظالم . قال : وسمعت رجلا سأل ذا النون فقال : رحمك اللّه ! ما الذي أنصب العباد وأضناهم ؟ فقال : ذكر المقام ، وقلة الزاد ، وخوف الحساب . ثم سمعته يقول بعد فراغه من كلامه : ولم لا تذوب أبدان العمال وتذهل عقولهم ، والعرض على اللّه أمامهم ، وقراءة كتبهم بين أيديهم ، والملائكة وقوف بين يدي الجبار ينتظرون أمره في الأخيار والأشرار . ثم قال : مثلوا هذا في نفوسهم وجعلوه نصب أعينهم . قال : وسمعت
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء — صفحة 346
مساهمون: أبي نعيم الأصبهاني
ص٣٤٦