تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
الشمشاطى قال سمعت ذا النون المصري يقول : بينا أنا سائر على شاطئ نيل مصر إذا أنا بجارية تدعو وهي تقول في دعائها : يا من هو عند ألسن الناطقين ، يا من هو عند قلوب الذاكرين ، يا من هو عند فكرة الحامدين ، يا من هو على نفوس الجبارين والمتكبرين ، قد علمت ما كان منى يا أمل المؤملين . قال : ثم صرخت صرخة خرت مغشيا عليها . قال : وسمعت ذا النون يقول : دخلت إلى سواد نيل مصر فجاءنى الليل فقمت بين زروعها ، فإذا أنا بامرأة سوداء قد أقبلت إلى سنبلة ففركتها ثم امتنعت عليها فتركتها وبكت وهي تقول : يا من بذره حبا يابسا في أرضه ولم يك شيئا ، أنت الذي صيرته حشيشا ثم أنبته عودا قائما ، بتكوينك وجعلت فيه حبا متراكبا ، ودورته فكونته وأنت على كل شيء قدير . وقالت : عجبت لمن هذه مشيئته كيف لا يطاع ، وعجبت لمن هذا صنعه كيف يشتكى . فدنوت منها فقلت : من يشكو أمل المؤملين ؟ فقالت لي : أنت يا ذا النون ، إذا اعتللت فلا تجعل علتك إلى مخلوق مثلك ، واطلب دواءك ممن ابتلاك وعليك السلام ، لا حاجة لي في مناظرة الباطلين . ثم أنشأت تقول :
وكيف تنام العين وهي قريرة * ولم تدر في اى المحلين تنزل
. * حدثنا محمد بن أحمد بن الصباح ثنا أبو بكر محمد بن خلف المؤدب - وكان من خيار عباد اللّه - قال : رأيت ذا النون المصري على ساحل البحر عند صخرة موسى ، فلما جن الليل خرج فنظر إلى السماء والماء فقال : سبحان اللّه ما أعظم شأنكما ، بل شأن خالقكما أعظم منكما ومن شانكما . فلما تهور الليل لم يزل ينشد هذين البيتين إلى أن طلع عمود الصبح :
اطلبوا لأنسكم مثل ما وجدت انا * قد وجدت لي سكنا ليس هو في هواه عنا إن بعدت قربني أو قربت منه دنا
* أنشدنا عثمان بن محمد العثماني قال أنشدني العباس بن أحمد لذي النون المصري :
إذا ارتحل الكرام إليك يوما * ليلتمسوك حالا بعد حال
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء — صفحة 344 | أبي نعيم الأصبهاني