تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
وليلتهم . فكلما مضى عنهم يوم وليلة راقبوا أنفسهم فيها على جميل الطاعة كان عندهم غنما ، وذكروا اليوم الماضي فسروا به ، وصبروا أنفسهم فيها على المستقبل لانقضاء الأجل فيه أو في ليلته فأطرحوا شغل القلب بانقضاء تذكر غد ، وأعملوا أبدانهم وجوارحهم ، وفرغوا له قلوبهم ، فقصرت عندهم الآمال ، وقربت منهم الآجال ، وتباعدت أسباب وساوس الدنيا من قلوبهم ، وعظم شغل الآخرة في صدورهم ، ونظروا إلى الآخرة بعين بصيرة ، وتقربوا إلى اللّه عز وجل بأعمال زاكية واستقامت لهم السيرة حتى وجدوا حلاوة الطاعة في الدنيا حين ساعدتهم الزيادة في التقوى ، فقرت بالخوف أعينهم ، وتنعموا بالحزن في عبادتهم ، حتى نحلت أجسامهم ، وبليت أجسادهم ، ويبست على عظامهم جلودهم ، وقل مع المخلوقين كلامهم ، وتلذذوا بمناجاة خالقهم . فقلوبهم بملكوت السماوات متعلقة ، وذكرهم بأهوال القيامة مقبلة مدبرة ، أبدانهم بين المخلوقين عارية فعموا عن الدنيا ، وصموا عنها وعن أهلها وما فيها ، وضح لهم أمر الآخرة حتى كأنهم ينظرون إليها ، فتخلص إلى ذلك قوم من طريق الاجتهاد لتذل لهم الأنفس ، وتخضع لهم الجوارح . فاجتهد قوم في الصلاة لدوام الخشوع عليهم . واجتهد قوم في الصوم لهدو الجوارح عنهم . واجتهد قوم في ترك الشهوات وطلب الفوز ، وذلك من رياضه الأنفس حتى أفضوا بالأنفس إلى الجوع ونحول الجسم . * حدثنا أبي ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن قال قرأت على عبد العزيز ابن محمد عن أبي عبد اللّه الأنطاكي قال : ان الحكماء نظروا إلى الدنيا بعين القلا إذ صح عندهم ان شهوات الدنيا تفسد عليهم حكمتهم ، ونظروا إلى الآخرة بأعين قلوبهم فصيروا الدنيا عندهم معبرا يجوزون عليها ، لا حاجة لهم في الإقامة فيها ، والآخرة منزلا لا يريدون بها بدلا ، ولا عنها حولا . فسرحت أحوالهم في ملكوت السماء ، واتخذوا للمكروه في جنب اللّه تعالى جنة ، همومهم في قلوبهم ، وقلوبهم عند ربهم . نظروا بأعين القلوب واستربحوا دلالات العقول على جلب الهدى ، نظروا بأعين قلوبهم إلى الآخرة
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء — صفحة 285 | أبي نعيم الأصبهاني