تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
بكم رؤوفا رحيما ، مواسيا بنفسه لهم في ذات يده وعند الناس ، فحقيق أن يقوم لهم فيهم بالحق ، وأن يكون بالقسط له فيهم قائما ، ولعوراتهم ساترا ، لم تغلق عليه دونهم الأبواب ، ولم يقم عليه دونهم الحجاب ، يبتهج بالنعمة عندهم ، ويبتئس بما أصابهم من سوء ، يا أمير المؤمنين قد كنت في شغل شاغل من خاصة نفسك ، عن عامة الناس الذين أصبحت تملكهم ، أحمرهم وأسودهم ، ومسلمهم وكافرهم ، فكل له عليك نصيبه من العدل ، فكيف إذا اتبعك منهم فئام وراءهم فئام ، ليس منهم أحد إلا وهو يشكو بلية أدخلتها عليه ، أو ظلامة سقتها إليه ، يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن عروة بن رويم . قال : « كانت بيد النبي صلى اللّه عليه وسلم جريدة يستاك بها ، ويروع بها المنافقين ، فأتاه جبريل عليه السلام فقال : يا محمد ما هذه الجريدة التي كسرت بها قرون أمتك ، وملأت قلوبهم رعبا ؟ » فكيف بمن شقق أبشارهم وسفك دماءهم ، وحرب ديارهم ، وأجلاهم عن بلادهم ، وغيبهم الخوف منه ، يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن زياد بن جارية عن حبيب بن مسلمة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دعا إلى القصاص من نفسه في خدشة خدش أعرابيا لم يتعمدها ، فأتاه جبريل فقال : يا محمد إن اللّه لم يبعثك جبارا ولا مستكبرا ، فدعا النبي صلى اللّه عليه وسلم الأعرابي فقال : اقتص منى ، فقال الأعرابي : قد أحللتك بأبى أنت وأمي ، ما كنت لأفعل ذلك أبدا ، ولو أتت على نفسي ، فدعا له بخير - يا أمير المؤمنين رض نفسك لنفسك ، وخذ لها الأمان من ربك ، وارغب في جنة عرضها السماوات والأرض التي يقول فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها » . يا أمير المؤمنين ! إن الملك لو بقي لمن قبلك لم يصل إليك ، وكذلك لا يبقى لك كما لم يبق لغيرك ، يا أمير المؤمنين تدرى ما جاء في تأويل هذه الآية عن جدك ؟
( ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها )
قال : الصغيرة التبسم ، والكبيرة الضحك ، فكيف بما عملته الأيدي ، وحدثته الألسن يا أمير المؤمنين بلغني عن عمر بن الخطاب رضى اللّه تعالى عنه أنه قال : لو ماتت سخلة على شاطئ الفرات ضيعة
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء — صفحة 137 | أبي نعيم الأصبهاني