المدينة سنة ستين ومائة ، فدقّ المقصورة ، وجلس للناس في المسجد ، فجعلوا يدخلون عليه ويأمر لهم بالجوائز ، ويحضرهم الشفعاء من وزرائه ، وكان رجال قد أحسّوا بجلوس أمير المؤمنين المهديّ وما يريد في الناس ، فطلبوا الشفاعات . ودخل عليه عبد اللّه بن مصعب بغير شفيع ، وكان وسيما جميلا مفوّها فصيحا ، قد عرفت له مروءته وقدره بالبلد قبل ذلك ، فتكلّم بين يدي أمير المؤمنين المهديّ فأعجب به ، وألحق جائزته بأفضل جوائزهم ، وكساه كسوة خاصة ، وأدخله في صحابته ، وخرج به معه إلى بغداد ، فقال عبد اللّه بن مصعب :
لمّا أوجه الشّفعاء قوما * علا خطبي فجلّ عن الشفيع « 1 »
وجاء يدافع الأركان عنّي * أب لي في ذرى ركن منيع
أب يتركّح الأبناء منه * إذا انتسبوا إلى الشرف الرفيع « 2 »
سعى فحوى المكارم ثم ألقى * مساعيه إلى غير المضيع
فورّثني على رغم الأعادي * مساعي لا ألفّ ولا وضيع « 3 »
فقمت بلا تنحّل خارجيّ * إذا عدّ الفعال ولا بديع « 4 »
فإن يك قد تقدّمني صنيع * يشرّفني ، فما دنّى صنيعي « 5 »
251 - وكانت له من أمير المؤمنين المهديّ ، ومن أمير المؤمنين موسى ، ومن أمير المؤمنين هارون الرشيد ، خاصّة ومنزلة . « 6 »
هامش
( 1 ) ( أوجهه ) ، شرفه ورفع قدره . و ( الخطب ) ، الشأن .
( 2 ) ( يتركح ) أي يستند ويعتمد ، من قولهم : ( ركح إلى الشيء ركوحا ) ، ركن إليه ، وهو من ( الركح ) ( بضم فسكون ) ، وهو جانب الجبل وركنه . وفي « تاريخ بغداد » : ( يترنح ) ، مصحفا .
( 3 ) ( الألف ) ، الثقيل البطيء في الكلام وغيره .
( 4 ) ( التنحل ) ، ادعاء المرء ما ليس له . و ( الخارجي ) الذي يخرج ويشرف بنفسه من غير أن يكون له قديم سابق . و ( البديع ) ، هو المحدث الذي يتعجب من أمره .
( 5 ) ( دنى ) ، أي جعله دنيا ، أي خسيسا ، من الدناءة . وهذا الخبر رواه الخطيب بتمامه في « تاريخ بغداد » .
( 6 ) « تاريخ بغداد » .