تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طبقات الشعراء — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥
ونحن نفرد بحثا خاصا لابن سلّام لا لأنه أتى بجديد غير ما أتى به سابقوه ومعاصروه ، ونخصه بالقول لا لأنه خاض في الأفكار التي خاض فيها غيره من اللغويين والرواة ؛ بل لأنه أول من نظّم البحث في هذه الأفكار ، وعرف كيف يعرضها ، ويبرهن عليها ، ويستنبط منها حقائق أدبية في كتابه طبقات الشعراء . شارك ابن سلام معاصريه في كثير من الأفكار ، ولكنه محّصها وحققها وأضاف إليها ، وصبغها بصبغة البحث العلمي ، وسلكها في كتاب خاص هو خلاصة ما قيل إلى عهده في أشعار الجاهلية والاسلام ؛ فالفرق بينه وبين من عاصره كثير ؛ كثير لأنه زاد على ما قالوا في النقد الفني ، وفي النظرات في الأدب ، وكثير على الأخص لأنه أودع كل المعارف في النقد كتابا لعله أسبق الكتب في ذلك . أودعها على طريقة العلماء ، وفي عرف منطقي قويم ؛ فهو بذلك من الذين أفسحوا ميادين النقد ، وهو بذلك أول المؤلفين فيه . لا ندري في أي تاريخ ألّف ابن سلّام كتابه طبقات الشعراء ، ولكننا نعرف أن تدوين الشعر أخذ ينشط في أوائل القرن الثالث . فدوّن الشعر الجاهلي والإسلامي ، ودوّنت سير الشعراء وأخبارهم وحوادثهم . ولعل هذا الوقت هو العهد الذي ألف فيه ابن سلام كتابه . كانت الحاجة ماسّة إلى التدوين في النقد الأدبي ، كما كانت ماسّة إلى تدوين الأدب . وأول شيء عمله ابن سلام ، وعمله المؤلفون من النقاد هو جمع هذه الآراء المبعثرة التي قيلت في الشعر وفي الشعراء . جمع ما قاله الأدباء والعلماء في نقد الشعر ، وفي الكلام على الشعراء . وهذه الأفكار السابقة هي نواة كتاب ابن سلام ، ونواة كثير من كتب النقد التي ألفت بعده . ولكن المؤلفين محّصوها ، وزادوا فيها ، وقربوها من روح العلم . وإذا كان الأدباء قد اكتفوا بملحوظات في النقد ، واللغويون قد تعمقوا في الفهم وفي التعليل ؛ فإن ابن سلّام قد درس الأدب ، وبحث المسائل الأدبية بحث عالم متأثر بروح عصره في الاستيعاب والشرح والتحليل ، وذكر الأسباب والمسببات . وأولى الأفكار التي عرض لها محمد بن سلام فكرة الشعر الموضوع ، الذي يضاف إلى الجاهلين وليس للجاهليين . وتلك الفكرة تقلقه وتزعجه ، وتحتل الجاه الأعظم مما يتصل بالنقد الأدبي في مقدمة كتابه ، وترد في هذا الكتاب حينا بعد حين . والكلام في الشعر الموضوع كان طبيعيا جدا في عصر ابن سلّام ؛ في عصر كادت تنتهي فيه الرواية ، وأقبل فيه العلماء على تدوين الشعر ليسلموه كما قلنا إلى الأجيال المقبلة . فنبه بعض العلماء على أن هناك شعرا مصنوعا كخلف والمفضّل الضّبّي . وكان ابن سلّام أشدهم تحرّجا من
طبقات الشعراء — صفحة 15 | محمد بن سلام الجمحي