محمد بن سلّام الجمحي وكتابه طبقات الشعراء بقلم الأستاذ طه أحمد إبراهيم
محمد بن سلّام الجمحي من علماء أواخر القرن الثاني من الهجرة ؛ وأوائل الثالث .
أحد الأخباريين والرواة ، كما قال فيه صاحب الفهرست ، ومن جملة أهل الأدب كما قال فيه الأنباري صاحب كتاب نزهة الألباء في طبقات الأدباء ، ونحوي أخذ النحو عن حماد بن سلمة ، ولغوي عده الزبيدي الأندلسي صاحب طبقات النحويين واللغويين في الطبقة الخامسة من اللغويين البصريين . وهو يعدّ أحد كبار نقدة الشعر والنفاذ فيه ؛ ألّف كتابا أو كتابين في طبقات الشعراء .
ومات ابن سلام سنة 231 ه أو في السنة التي تليها ، ومات أستاذه حماد بن سلمة سنة 269 ه في خلافة المهدي بن المنصور ، فحياته العلمية إذن بين هذين . والذين أسلفنا من اللغويين قد امتدت بكثير منهم الحياة إلى أواخر القرن الثاني ، أو إلى سنوات في الثالث ؛ فقد صحبهم ابن سلّام ، وخالطهم وشاركهم في أحكام كثيرة من التي أوردناها ، وأخذ عنهم ، وروى كثيرا من آرائهم ونظراتهم في الشعر والشعراء . كان ابن سلّام بصريا ؛ فعرف يونس وخلفا وأبا عبيدة والأصمعي ، ورأى المفضّل الضبي حين قدم هذا إلى البصرة عرف كل هؤلاء معرفة علمية وتربّى في بيئتهم ، وعلى أذواقهم ، وخاض في كل ما خاضوا فيه من المسائل الأدبية التي نوّهنا بها . وما من رأي أو فكرة أو نظرة في النقد يومئذ إلا أخذ ابن سلّام بنصيبه من المشاركة فيها ، وبنصيب من بحثها ، وتقدير ما فيها من خطأ أو صواب . لقد رأينا اللغويين تكلموا كثيرا في جمال الشعر الفني ، وفي مذاهب الشعراء ، وفي منازل بعض منهم ، وفي الاشعار التي تسند إلى غير قائليها ، وفي النظر إلى الأدب نظرات متصلة ببيئته ، وصاحبه أو الحالة الاجتماعية التي نشأ فيها .
وابن سلّام خاض في ذلك كله ، وتعرض لكثير من الشعر والشعراء بالنقد والحكم . وإذن لماذا نخصّه بالقول ؟ وإذا كان شأنه شأن أي لغوي ممن ذكرنا ؛ فما لنا نحفل به ونفرد له بحثا خاصا ؟