البحث الأوّل : معنى المحكم والمتشابه في القرآن
للإحكام والتشابه إطلاقان في النصّ القرآني ، وقبل بيانهما لا بأس بالإشارة إلى المعنى اللغوي للمحكم .
ذكر اللغويّون أنّ مادّة « ح ، ك ، م » تفيد معنى كون الشئ بحيث يمنع ورود ما يفسده أو يبعّضه أو يخلّ أمره عليه ، ومنه الإحكام والتحكيم ، والتحكّم والحكومة ، والحكم بمعنى القضاء ، والحِكمة بمعنى المعرفة التامّة والعلم الجازم النافع ، والحَكَمة بفتح الحاء والكاف : لجام الفرس أو حديدة فيه ، تمنعه عن الجرى الشديد أو مخالفة راكبه . ففي الجميع شئ من معنى المنع والإتقان .
أمّا الإطلاقان فهما :
الأوّل : كون الإحكام والتشابه وصفاً للكتاب كلّه . أمّا الإحكام ففي قوله تعالى : كتب أحكمت ءايته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ( هود : 1 ) ، المراد بالإحكام هنا بقرينة مقابلته للتفصيل هو بيان حال من حالات الكتاب التي كان عليها قبل
النزول ، وهى كونه واحداً لم يطرأ عليه التجزّى والتبعّض بعد بتكثّر الآيات ، فهو إتقانه قبل وجود التبعّض ، فهذا الإحكام وصف لتمام الكتاب . وكذلك التشابه فإنّه قد وقع وصفاً للكتاب كلّه أيضاً كما في قوله : كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ( الزمر : 23 ) ، والمراد به كون آيات الكتاب ذات نسق واحد من حيث جزالة النظم وإتقان الأسلوب وبيان الحقائق والحِكَم والهداية إلى صريح الحقّ ، كما تدلّ عليه القيود المأخوذة في الآية .