فهذه البيانات في كلامه تعالى يختلف الناس في تلقّيها باختلاف أفهامهم ، فمن سامع لا حظّ له منها إلّا تلقّى ألفاظها وتصوّر مفاهيمها الساذجة من غير تعمّق فيها وسبر لأغوارها ، ومن سامع يتلقّى بسمعه ما يسمعه هؤلاء ثمّ يعود في مقاصدها العميقة ويعقل حقائقها الأنيقة .
إذا اتّضح ذلك نقول : إنّه لا مخلص عن
المحذورين المتقدِّمين إلّا بتفريق المعاني الممثّل لها إلى أمثال مختلفة وتقليبها في قوالب متنوّعة حتّى يفسّر بعضها بعضاً ويوضح بعضها أمر بعض ، فيعلم من خلال هذا المنهج :
أوّلًا : أنّ البيانات القرآنيّة أمثال ، ولها في ما وراءها حقائق ممثّلة ، وليست مقاصدها ومراداتها مقصورة على اللفظ المأخوذ من مرتبة الحسّ والمحسوس .
وثانياً : بعد العلم بأنّها أمثال ، يعلم بذلك المقدار الذي يجب طرحه من الخصوصيّات المكتنفة بالكلام ، وما يجب حفظه منها للحصول على المراد والمقصود الحقيقي ، وإنّما يحصل ذلك من خلال أنّ هذا الكلام يتضمّن نفى بعض الخصوصيّات الموجودة في الكلام الآخر ، وذاك الكلام يتضمّن نفى بعض ما في هذا الكلام .
نوع آخر من المَثَل القرآني
هناك نوع آخر من المثل القرآني غير الذي تقدّم في البحث السابق ، تناوله القرآن الكريم بنحو واسع كقوله تعالى :
وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( الزمر : 27 ) وذلك محاولة منه لإيصال المعارف القرآنيّة العالية والعميقة التي جاءت من