البحث الثالث : حكمة اشتمال الكتاب على المتشابهات
من الاعتراضات التي أوردت على القرآن الكريم اشتماله على المتشابهات حيث قيل : لماذا اشتمل القرآن على الآيات المتشابهة بحيث أدّى إلى أن يتمسّك به كلّ صاحب مذهب على مذهبه ، ثمّ يسمّى الآيات الموافقة لمذهبه محكمة والآيات المخالفة متشابهة ؟ أفلم يكن الأجدر بمَن يريد أن ينزل كتاباً لهداية البشر جميعاً ، أن يجعله جليّاً نقيّاً عن المتشابهات ، حتّى لا يقع الناس في الاشتباه والخطأ ، ويغلق الطريق أمام مَن في قلبه مرض أن يوجد الفتنة والاختلاف في الأمّة ؟
والجواب عن ذلك : إنّ المعارف التي
يلقيها القرآن على قسمين :
منها : معارف عالية خارجة عن حكم الحسّ والمادّة ، والأفهام العاديّة لا تلبث دون أن تتردّد فيها بين المصداق الجسماني الحسّى وبين غيره ، كقوله تعالى : إن ربك لبالمرصاد ( الفجر : 14 ) وقوله : وجاء ربك ( الفجر : 22 ) فيتبادر منها إلى الذهن المستأنس بالمحسوس من الأحكام ، معانٍ هي من أوصاف الأجسام وخواصّها ، وتزول بالرجوع إلى الأصول التي تشتمل على نفى حكم المادّة والجسم عن المورد .
وهذا ممّا يطّرد في جميع المعارف والأبحاث غير المادّية والغائبة عن الحواسّ ، ولا يختصّ بالقرآن الكريم ، بل يوجد في غيره من الكتب السماويّة بما تشتمل عليه من المعارف العالية من غير تحريف ، ويوجد أيضاً في المباحث الإلهيّة . وهو الذي يشير إليه القرآن بلسان