زد على ذلك ما في التّدرّج في النّزول من تيسير أخذ القرآن حفظا وفهما كما لا يخفى .
4 - توكيد صدق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بكون ما جاء به من عند اللّه .
قال تعالى :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
[ النّساء : 82 ] ، فكتاب توحى مقاطعه وأجزاؤه في ثلاث وعشرين سنة لا ترى شيئا من آخره ينقض شيئا من أوّله ولا يخالفه ، بل يؤكّده ويصدّقه ، لهو من أعظم البراهين على أنّه من عند حكيم خبير ، ما هو بقول شاعر يتيه به عقله في كلّ واد ، ولا كاهن تغرّه الشّياطين بالأكاذيب ، بل ولا بقول عاقل أديب قد جرى لسانه بالحكمة والبيان ، فإنّ أعقل العقلاء ليدلّه عقله اليوم على خطئه بالأمس أو قصوره ، ومن النّاس من يصنّف في علم أو فنّ يكون فيه رأس صناعته وربّما مكث فيه عقودا من الزّمن وهو يصلح ويزيد وينقّح ، لا يخرج للنّاس منه حرفا في تلك السّنين الطّوال ، ثمّ يخرج تصنيفه للنّاس حجّة لهم في ذلك الفنّ ، فكم ترى له من متعقّب ، ومستدرك عليه ومصوّب ! وهذا القرآن ينزل في بضع وعشرين سنة تنزل سورة أو بعض آيات ، بل آية أو بعض آية ، يصبّح النّاس ويمسّون بجديده ، لم يأت منه حرف بخلاف حرف ولا كلمة بخلاف كلمة ، ولا معنى بخلاف معنى ، يتلوه على النّاس نبيّ أمّيّ ما قرأ قبله وما كتب ، صلى اللّه عليه وسلم ،
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ 48
[ العنكبوت : 48 ] ،
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
[ الشورى : 52 ] ،
وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ( 41 ) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ 42
[ فصّلت : 41 - 42 ] .