والثّاني : من السّماء الدّنيا إلى الأرض على النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم مفرّقا على الوقائع .
فعنه قال : أنزل اللّه القرآن إلى السّماء الدّنيا في ليلة القدر ، فكان اللّه إذا أراد أن يوحي منه شيئا أوحاه ، فهو قوله :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ 1
.
وفي لفظ : أنزل القرآن كلّه جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان إلى السّماء الدّنيا ، فكان اللّه إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئا أنزله منه ، حتّى جمعه « 1 » .
وهذا خبر تلقّاه أكثر العلماء بالقبول ، وهو مرويّ من وجوه متعدّدة عن ابن عبّاس ، ومثله إخبار عن أمر غيبيّ لا يصار إلى مثله إلّا بتوقيف ، فله حكم الحديث المرفوع ، والقول به أولى من القول بمجرّد النّظر .
ومن العلماء من يرى أنّ الحكمة من إنزاله جملة واحدة إلى السّماء الدّنيا وهو كتاب اللّه تعالى إلى أهل الأرض ، هي : إعلام الملإ الأعلى بالرّسالة الجديدة إلى أهل الأرض ، وبيان فضيلة من يوحى إليه هذا الدّستور وفضيلة أتباعه ، خاصّة مع حدوث ذلك في أعظم ليلة ، ليلة قال اللّه فيها :
فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ 4
[ الدخان : 4 ] ، وقال فيها :
خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
[ القدر : 3 ] ، فهو تمجيد للقرآن نفسه ، وللرّسول الموحى إليه به صلى اللّه عليه وسلم ، وللأمّة الّتي ستسعد بالاهتداء به .
ولعلّ من وراء ذلك حكما هي في علم اللّه أكبر ممّا ذكر وأجلّ وأعظم ، واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) أثران صحيحان . أخرجهما ابن جرير الطّبريّ في « تفسيره » ( 2 / 145 ) بسند صحيح .