والاجتهاد إظهار للرّأي في تفسير الآية ، لكن شتّان ما بين مجتهد بذل غاية وسعه ، وهو أهل لذلك : قد ملك الآلة ، وأتى الأمر من بابه ، وبين متكلّف قد صرّفته الأهواء كيف شاءت ، فاستنّ بسنّة من سبق من أهل الضّلالة في التّحريف والتّبديل ، أو تكلّف متعجّلا فتكلّم في القرآن دون رويّة .
فهذان صنفان ، كلاهما تكلّم بالرّأي ، لكنّ الأوّل محمود مأجور ، والثّاني مذموم موزور .
وعلى هذا الثّاني يتنزّل ما ورد من ذمّ التّفسير بالرّأي وتحريمه ؛ لأنّ هواه أو عدم تثبّته وتحرّيه يوقعه في أن يقول على اللّه غير الحقّ .
وكان أئمّة الصّحابة والتّابعين على ما آتاهم اللّه من المكانة في العلم في غاية الاحتراز من الكلام في القرآن ، إلّا ما بدا وجهه وظهرت حجّته ، ومن الأثر فيه ما يلي :
1 - عن أنس بن مالك :
أنّه سمع عمر بن الخطّاب ، رضي اللّه عنه ، يقول : «
فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا ( 27 ) وَعِنَباً وَقَضْباً ( 28 ) وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا ( 29 ) وَحَدائِقَ غُلْباً ( 30 ) وَفاكِهَةً وَأَبًّا 31
[ عبس : 27 - 31 ] ، قال : فكلّ هذا قد عرفناه ، فما الأبّ ؟ ثمّ نفض عصا كانت في يده ، فقال : هذا لعمر اللّه التّكلّف ، اتّبعوا ما تبيّن لكم من هذا الكتاب » « 1 » .
هامش
( 1 ) أثر صحيح . أخرجه الحاكم ( رقم : 3897 ) وعنه : البيهقيّ في « شعب الإيمان » ( رقم : 2281 ) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، حدّثنا أبي ، عن صالح ، عن ابن شهاب ، أنّ أنسا ، به . -