النّوع الثّالث : الإعجاز التّشريعيّ :
ويكمن فيما أودع اللّه في كتابه من القوانين الّتي تشهد في استقامتها وعدلها وصلاحها لكلّ زمان أنّها من عند اللّه ، وأن لا طاقة للخلق أن يوجدوا لها نظيرا ، مهما بلغت العقول .
ذلك أنّ التّشريع مبنيّ على تحقيق مصالح العباد في الدّارين ، ولا يحيط بتلك المصالح أحد من خلق اللّه ؛ لقصور العلم ، والنّقص بالطّبع ، لكنّ اللّه سبحانه هو الخالق ، فهو أعلم بخلقه وحاجتهم وما يكون به صلاحهم وفسادهم ،
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
[ الملك : 14 ] .
فلذا جاء تشريعه موصوفا بالحسن المطلق وبالحقّ المطلق ، كما قال عز وجلّ :
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
[ المائدة : 50 ] ، وقال :
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً 33
[ الفرقان : 33 ] ، وقال تعالى :
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ
[ الشّورى : 17 ] ، وقال عز وجلّ :
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً
[ البقرة : 119 ] ، وقال سبحانه :
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ
[ الأنعام : 66 ] ، وقال تعالى :
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ
[ الإسراء : 105 ] ، وقال عز وجلّ :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ
[ المائدة : 48 ] .
ولو كان من عند غير اللّه لما صحّ في العقول أن يكون هو الحقّ المطلق ، أو يكون أحسن قانون وتشريع ، مهما رجحت عقول مقنّنيه ، فإنّه ما من قوم إلّا ولهم من الشّرائع والقوانين ما يسيّرون به شؤون حياتهم ، لكنّهم لا يفتئون يغيّرون ويصلحون ، ولو وصفوا قانونهم