ولم يعرف إنكاره عن منتسب إلى العلم إلى القرن الرّابع ، حين اشتدّ فشوّ البدع ، وذلك بتأويل فاسد سآتي على ذكره في الشّبهات .
قال أبو جعفر النّحّاس : « من المتأخّرين من قال : ليس في كتاب اللّه عزّ وجلّ ناسخ ولا منسوخ ، وكابر العيان ، واتّبع غير سبيل المؤمنين » « 1 » .
ورأى بعض العلماء أنّه لم يخالف في ثبوت النّسخ أحد من أهل الإسلام ، وأنّ ما نسب إلى بعض المتأخّرين فهو على ندرته خلاف منهم في اللّفظ لا في المعنى « 2 » .
واعلم أنّ مبدأ النّسخ ثابت في شرائع الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ، ولا تأتي شريعة رسول على الوفاق التّامّ لشريعة رسول آخر ، كما قال اللّه تعالى :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
[ المائدة : 48 ] ، ونعلم أنّ اللّه تعالى نسخ بعض ما كان من الشّرائع في التّوراة برسالة عيسى عليه السّلام ، كما قال تعالى :
وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ
[ آل عمران : 50 ] ، ثمّ نسخ اللّه عن العباد ممّا كان شريعة في التّوراة والإنجيل ، وذلك بما بعث به نبيّه محمّدا صلى اللّه عليه وسلم من الكتاب والحكمة ، كما قال عزّ وجلّ :
هامش
( 1 ) النّاسخ والمنسوخ ، للنّحّاس ( ص : 40 ) ، وانظر : « الفقيه والمتفقّه » للخطيب البغداديّ ( 1 / 332 ) ، و « إحكام الفصول » للباجي ( ص : 324 ) و « المسوّدة » لآل تيميّة ( ص : 175 ) .
( 2 ) انظر ما حكاه ابن حزم في « الإحكام في أصول الأحكام » ( 4 / 70 ) .
والّذي يشار إليه بذلك الرّأي من المتأخّرين ، هو : أبو مسلم الأصفهانيّ ، واسمه :
محمّد بن بحر ، كاتب مفسّر معتزليّ ، ولد سنة ( 254 ه ) وتوفّي سنة ( 322 ه ) ، مترجم في « معجم الأدباء » لياقوت ( 18 / 35 ) و « بغية الوعاة » للسّيوطيّ ( 1 / 59 ) .