فكيف يظنّ بعدئذ أنّ شيئا من القرآن قد فات بموت بعض حفّاظه ؟
رابعا : إن كان لهذه الرّواية أصل ، فيكون القرآن الّذي لم يعلم ولم يكتب هو ممّا نسخت تلاوته ، فإنّ بعض الصّحابة بقي يحفظ الشّيء من المنسوخ حتّى بعد جمع القرآن ، ممّا يدلّ على إمكان حمل بعض من قتل في حرب الرّدّة لشيء من ذلك ، ولذلك نقول : كان مستند الجمع المكتوب الّذي خلّفه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، معضّدا بحفظ من شهد العرضة الأخيرة زيد بن ثابت ، وإقرار عامّة الصّحابة عليه .
الشّبهة السّادسة : ما روي عن عائشة ، رضي اللّه عنها ، قالت :
لقد نزلت آية الرّجم ، ورضاعة الكبير عشرا ، ولقد كان في صحيفة تحت سريري ، فلمّا مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتشاغلنا بموته ؛ دخل داجن « 1 » فأكلها .
وهذا حديث لا يصحّ ، فأمّا ذكر الرّضاع فيه فغلط « 2 » .
هامش
( 1 ) الدّاجن : هي الشّاة الّتي تعلف في البيوت .
( 2 ) أخرجه ابن ماجة ( رقم : 1944 ) وأبو يعلى ( رقم : 4587 ، 4588 ) من طريق محمّد بن إسحاق ، عن عبد اللّه بن أبي بكر ، عن عمرة ، عن عائشة .
وعن عبد الرّحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة ، به .
قلت : ابن إسحاق صدوق ، ومن كانت هذه صفته فإنّ حديثه يكون في درجة الحسن بعد السّبر والنّظر الّذي يخلص منه إلى نقائه من الخلل ، كذلك هو رجل مشهور بالتّدليس مكثر منه ، يدلّس عن المجروحين ، وشرط قبول رواية من هذا حاله أن يذكر سماعه ممّن فوقه ، فإذا قال ( عن ) لم يقبل منه .
وابن إسحاق له في هذا الخبر إسنادان كما ترى ، وجمعه الأسانيد بعضها إلى بعض وحمل المتن على جميعها ممّا عيب عليه ، فربّما كان اللّفظ عنده بأحد الإسنادين فيحمل الآخر عليه ؛ لأنّه حسبه بمعناه ، وقد لا يكون كذلك . -