بالتوقيف والنقل عن صحيح السنة ومقبولها ، فإننا نعمد إلى ما روى من السنة الصحيحة في هذا الصدد :
فيروى البخاري عن عبد اللّه بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال : « إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات شيئا ، فإذا فزّع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق ، ونادوا ما ذا قال ربكم ؟ قالوا : الحق » 23 . ولا مرية في أن أهل السماوات هم الملائكة .
كما أخرج الإمام أحمد وأبو داود عن أبي معاوية أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إنّ الله - عز وجل - إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجرّ السلسلة على الصفاء ، فيصعقون ، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل ، فإذا جاء جبريل فزّع عن قلوبهم .
قال : ويقولون : يا جبريل ما ذا قال ربكم ؟
قال : فيقول : الحق . قال فينادون : الحقّ ، الحقّ » 24 .
هذا مع الأخذ في الاعتبار أن الملائكة ذواتهم نورانية علوية ، ويعتريهم من أثر الوحي هذا الصعق ، كما يعترى السماء ذاتها تلك الصلصلة ، ولا عجب فإنه تجلى الحق تعالى بصفة الكلام القديم وأنّى للمحدثات بالصمود لسطوتها ! ! إنهم من فزعهم يحسبون أن الساعة قد حان مرساها .
فقد أخرج ابن مردويه من حديث ابن مسعود مرفوعا : « إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان ، فيفزعون ، ويرون أنه من أمر الساعة » 25 ! !
وسيأتي مزيد تبيان لتلقى الملك الوحي سماعا من الله تعالى في تناولنا للوحي القرآني خلال هذا البحث بإذن الله تعالى .
* * * * *
* أنواع الوحي ومراتبه :
فنجد الأصل في معرفة ذلك - قرآنيا - قوله تعالى شأنه :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ
26 . فقد استنبط أساطين المفسرين منها جملة أنواع للوحي الإلهى إلى من اصطفاهم الله تعالى من البشر :
النوع الأول : ما كان الوحي فيه إلقاء في القلب مناما ، وهو ما يعرف بوحي الرؤيا الصادقة ، كرؤيا خليل الرحمن - عليه السلام - التي قصّها القرآن في قوله تعالى :
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ
27 .
وكرؤيا النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه يدخل المسجد