تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 6

مساهمون:

ص٦

صور الوحي إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم وكيفياته :

فنجد العلماء قد ذكروا له تسع صور تجسد كيفياته وصفاته : فالصورة الأولى : أن يأتي ملك الوحي إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم في مثل صلصلة الجرس ، فقد روى البخاري في صحيحه بسنده عن السيدة عائشة - رضى اللّه تعالى عنها - أن الحارث بن هشام رضي اللّه عنه سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال : يا رسول اللّه كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس - وهو أشده علىّ - فيفصم عنى وقد وعيت ما قال . . » . 37 لقد شبّه النبي صلّى اللّه عليه وسلم صوت الملك لدى مجيئه بالوحي بصوت صلصلة الجرس . والصلصلة في الأصل : صوت وقوع الحديد بعضه على بعض ، ثم أطلق على كل صوت له طنين . وقيل : هو صوت متدارك لا يدرك في أول وهلة ، ولا يتبينه أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد . والجرس - بفتح الراء - مشتق من الجرس - بسكون الراء - وهو الحسّ ، ويطلق على ناقوس صغير أو سطل في داخله قطعة نحاس يعلق منكوسا على البعير ، فإذا تحرك تحركت النحاسة فأصابت السطل فحدثت الصلصلة 38 . وقال بعض العلماء : إن الصلصلة صوت خفق أجنحة الملك ، والحكمة في تقدمه للوحي أن يقرع سمعه صلّى اللّه عليه وسلم الوحي فلا يبقى مكان لغيره ، ولما كان الجرس لا يحصل صلصلة إلا متداركة ، وقع التشبيه به دون غيره من الآلات . فإن الكلام العظيم له مقدمات تأذن بتعظيمه للاهتمام به ، وإنما كان شديدا عليه ليستجمع قلبه فيكون أوعى لما سمع 39 . كذلك أخرج الإمام أحمد في مسنده عن سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أنه قال : سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلم : هل تحس بالوحي ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « نعم . أسمع صلاصل ، ثم أسكت عند ذلك ، فما من مرة يوحى إلىّ إلا ظننت أن نفسي تفيض » 40 . وهذا الحديث يفسر قوله صلّى اللّه عليه وسلم - في حديث البخاري المتقدم - عن هذه الكيفية للوحي : « وهو أشده علىّ » ! ! ومع هذه الحالة المذكورة يكون النفث من الملك في روع النبي صلّى اللّه عليه وسلم كما تقدم ، إذ يقول الحافظ ابن حجر : ( وأما النفث في الروع فيحتمل أن يرجع إلى إحدى الحالتين - أي الصلصلة والتمثل رجلا - فإذا أتاه الملك في مثل صلصلة الجرس نفث حينئذ في روعه ) 41 . وظاهر ذلك خفاء ذات الملك لدى الصلصلة .