من رمضان ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يومئذ ابن أربعين سنة . ونقل الحافظ ابن حجر عن البيهقي أن مدة الرؤيا كانت ستة أشهر . وعلى هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع من شهر مولده وهو ربيع الأول بعد إكماله أربعين سنة ، وابتداء وحى اليقظة وقع في رمضان 87 .
* أما عن حكمة بدء الوحي بالرؤيا الصادقة ، فقد ذكر الإمام العيني أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ابتدأ بها لئلا يفجأه الملك ، ويأتيه بصريح النبوة ولا تحتملها القوى البشرية ، فبدأ بأول خصال النبوة وتباشير الكرامة من صدق الرؤيا مع سماع الصوت ، وسلام الحجر والشجر عليه بالنبوة ، ورؤية الضوء ، ثم أكمل الله له النبوة بإرسال الملك إليه في اليقظة وكشف له عن الحقيقة كرامة له 88 .
* والوقفة الثانية : عند سر تحبيب الخلوة إليه صلّى اللّه عليه وسلم في غار حراء خلال فترة الوحي المنامى وقبل ظهور الملك بالوحي الجلى ، يقول العلماء : إن الخلوة فراغ القلب لما يتوجه له ، ومن ثم : فهي معينة له صلّى اللّه عليه وسلم على التفكر والتأمل إذ بها ينقطع عن مألوفات البشر ويخشع قلبه ، فإن البشر لا ينتقل عن طبعه إلا بالرياضة البليغة ، ثم إن الخلوة مبعث الصفاء الروحي الذي تستقبل الروح به فيوضات الأنوار الإلهية . وإنما كانت الخلوة والتعبد بجبل حراء بالذات ؛ لأنه كان يرى منه بيت ربه وهذه الرؤية عبادة ! 89 * والوقفة الثالثة : عند حكمة غطّه صلّى اللّه عليه وسلم ثلاث مرات ، فقد قيل : إنها التهيئة لتلقى الوحي القرآني ، ليظهر في ذلك الشدة والاجتهاد في الأمور ، وإنما تكرر ثلاثا للمبالغة في التثبت 90 .
* والوقفة الرابعة : للجواب عن تساؤل :
من أين علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن الجائى إليه هو جبريل - عليه السلام - ؟ وبما عرف أنه حق لا باطل ؟
فقد أجيب عن ذلك : بأن الحق - تعالى - قد أقام للنبي صلّى اللّه عليه وسلم دليلا يقينيا على أن الجائى إليه ملك لا شيطان ، كما أقام المعجزة دليلا لنا على صدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلم 91 .
وأقول أيضا : إن اللّه تعالى أوجد في قلب النبي صلّى اللّه عليه وسلم علما ضروريا بأنه ملك الوحي جبريل ، وهذا العلم مستغنى عن الدليل .
* ثم الوقفة الخامسة : عند قول الملك له صلّى اللّه عليه وسلم :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
حيث استدل الجمهور على أن سورة ( اقرأ ) هي أول ما نزل من القرآن الكريم ، وفيها دليل فقهى على وجوب استفتاح القراءة ببسم الله .
عند بعض العلماء كما قال السهيلي ، وإن كان محل خلاف .