الصّمّ ، وانهدمت الشامخات العاليات في سطوات أنواره ووجوم سنا أقداره ) ! ! 76 .
ولعلنا نتصور حالة العالم قبل الوحي الشرعي ومدى احتياجه إليه ، ولا سيما في بداية النصف الثاني من القرن السادس الميلادي حيث كان العالم مترديا في حضيض الظلمة والضياع ، واستبدت به أسباب الفساد من كل جانب ، وعصفت به رياح الشرك والكفران ، فتداعى بناؤه العقدي والخلقي ، وسادته جاهلية عمياء ، وصار يترقب الهدم الذي يعقبه البناء ، إذ عمه الفساد في كل الأرجاء كما قال تعالى :
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
77 ، لقد فسر الإمام قتادة رضي اللّه عنه الفساد في الآية الكريمة : بالضلالة والظلم 78 ، وهذا تفسير محكم ، لأن الضلالة تعنى فساد القوة النظرية ، لفقدان نور الوحي الإلهى ، والظلم :
يعنى فساد القوة العملية والجانب السلوكى ، لفقدان استرشادهما بالإشعاع المعرفى اليقيني الذي يضيء القوة النظرية ، فصلاح القوتين إذن متوقف على الوحي الذي هو هدى اللّه لعباده .
* من ثم : كان العالم قبل البعثة المحمدية متعطشا مستشرفا للوحي الذي يتوقف عليه رشده وصلاحه ، أو بالأحرى : روحه ونوره ، كما ينبئ عنه قوله تعالى :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
79 .
فالتعبير عن الوحي القرآني - في الآية الكريمة - بالروح يشير إلى أن العالم قبل هذا الوحي كان جثة هامدة بلا روح ، وكذا التعبير عن هذا الوحي بأنه نور يشير إلى الظلمة الحالكة التي كان يرزح العالم فيها في الجاهلية ، ثم يشير قوله تعالى :
نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
من الضلال الذي كان سائدا قبل الوحي المحمدي في شتى الجوانب العقدية والسلوكية .
* وتتجسد حالة العالم قبل الوحي إليه جليا في افتقاد مصدر الهداية فيما لا سبيل للعقل الوصول إليه من الجانب الغيبي في أمور العقيدة ، وأعلاها معرفة اللّه تعالى وصفاته القدسية وما يجب له وما يستحيل عليه وما يجوز في حقه تعالى .
كما تتجسد تلك الحاجة - في توقف إدراك ما وراء الطبيعة من عالم ما بعد الموت من البرزخ والبعث والحساب والجزاء - على الأدلة السمعية التي تأتى بطريق الوحي .
وكذلك الهداية التشريعية التي تنظم