تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 13

مساهمون:

ص١٣
وقد استدل الذاهبون إلى هذا الرأي المتهافت بظاهر قوله تعالى :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ
69 . حيث إن تخصيص النزول بالقلب - على أن المراد به العضو المخصوص - موجه بأن المعاني الروحية تنزل على الروح ثم تنتقل به إلى القلب ، لما بينهما من التعلق ، ثم تتصعد منه إلى الدماغ ، فينتقش بها لوح المتخيلة . بيد أن هذا خلاف القول الصحيح عند المفسرين والمحدثين ، الذين وجّهوا لتخصيص القلب بالنزول : بأنه المدرك والمكلف دون سائر الجسد ، وهو المخاطب في الحقيقة لأنه موضع التمييز . وقد يقال : إنه لما كان له صلّى اللّه عليه وسلم جهتان : جهة ملكية يستفيض بها ، وجهة بشرية يفيض بها ، جعل الإنزال على روحه صلّى اللّه عليه وسلم المعبر عنها بالقلب ، حيث قال الراغب : إنها أحد إطلاقاته ؛ لأنها المتصفة بالصفات الملكية التي يفيض بها من الروح الأمين . وقد أشار إلى ذلك تعبير القرآن ب ( على قلبك ) دون ( عليك ) . وكذلك وجّه تخصيص الإنزال بالقلب ؛ بأنه إشارة إلى كمال تعلقه صلّى اللّه عليه وسلم وفهمه ذلك المنزل ، حيث لم تعتبر واسطة في وصوله إلى القلب الذي هو محل العقل كما يقتضيه ظاهر كثير من الآيات والأحاديث 70 . ومن ثم يترجح القول الحق : وهو أن القرآن الكريم بلفظه ومعناه من عند الله تعالى لا مدخل لجبريل ولا لغيره في ألفاظه ، فالله - سبحانه - هو الذي أبرز ألفاظ القرآن وكلماته مرتبة على وفق ترتيب كلماته النفسية لأجل التفهيم والتّفهّم ، كما نبرز نحن كلامنا اللفظي - ولله المثل الأعلى - على وفق كلامنا النفسي لأجل التفهيم والتفهم ، ولا ينسب الكلام بحال إلا إلى من رتبه في نفسه أولا دون من اقتصر على حكايته وقراءته ، وإننا لنؤازر العلامة الزرقاني في حكمه على زعم أن ألفاظ القرآن من عند جبريل أو النبي صلّى اللّه عليه وسلم بقوله : ( وعقيدتي أنه مدسوس على المسلمين في كتبهم ؛ وإلا فكيف يكون القرآن حينئذ معجزا واللفظ لمحمد أو لجبريل ؟ ثم كيف تصح نسبته إلى اللّه واللفظ ليس لله ؟ مع أن الله يقول :
حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
71 . وللإمام الجويني تقرير في قضية الوحي القرآني يؤكد فيه صدوره عن اللّه لفظا ومعنى ؛ يقول فيه : ( كلام اللّه المنزل قسمان : قسم قال لجبريل : قل للنبي الذي أنت مرسل إليه : إن اللّه يقول : افعل كذا وكذا . . . . ففهم جبريل ما قاله ربه ثم نزل على ذلك النبي ، وقال له ما قاله ربه ، ولم تكن العبارة تلك العبارة ؛ كما يقول الملك لمن يثق به : قل لفلان :