الجزري 13 من فوائد لنزول القرآن على سبعة أحرف .
4 - أن التيسير بتعدد الأحرف تأخر إلى العهد المدني ، هذا ما يفهم من حديث أبىّ عند مسلم وفيه : ( أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان عند أضاة بنى غفار قال : فأتاه جبريل - عليه السلام - الحديث ) . حيث كانت هذه الأضاة بالمدينة كما قال الحافظ رحمه الله في ( الفتح ) : وأضاة بنى غفار هي بفتح الهمزة والضاد المعجمة بغير همز وآخرة تاء تأنيث :
مستنقع الماء كالغدير وجمعه أضا كعصا ، وقيل بالمد 14 والهمز كإناء ، وهو موضع بالمدينة النبوية ينسب إلى بنى غفار بكسر المعجمة وتخفيف الفاء - لأنهم نزلوا عنده » 15 . والظاهر أن هذا التأخر إنما كان لعدم الحاجة - في العهد المكي - إلى تعدد الأحرف لعدم انتشار الإسلام والقرآن آنئذ بين أحياء العرب ، وقصوره على القلة المؤمنة به ، وأغلبهم من قريش الذين أرسل النبي صلّى اللّه عليه وسلم بين ظهرانيهم ، وأن القرآن المكي كان على أفصح لهجة مشهورة ومستفيضة في جميع بطون قريش ، وأن هذه اللهجة كانت بالتالي مفهومة وميسرة لأولئك القلة المؤمنين به ، فلم تمس حاجتهم وقتئذ إلى المزيد من التيسير ، فلما كانت الهجرة إلى المدينة وبدء انتشار الإسلام بين العرب وفيهم من يمكن ألا يتقن تلك اللهجة ، مست الحاجة إلى التيسير بتعدد الأحرف ، وشمل هذا التعدد عندئذ بطبيعة الحال جميع القرآن مكيه ومدنيه من قبل أن التكليف هو بكل القرآن لا ببعضه دون بعض ، كما شمل تشريع هذا التعدد جميع الناس منذئذ لا فرق في ذلك بين قرشي وغير قرشي من قبل أن الكل في التشريع سواء .
ومن هنا اختلفت الأحرف المقروء بها سورة الفرقان المكية مثلا بين عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم بن حزام وهما قرشيان ، كما اختلفت بين أبىّ الأنصاري وغيره في سورة النحل المكية أيضا ، وقراءة عبد الله بن مسعود وآخر في سورة من حم المكيات كذلك ، إلى آخر تلك الوقائع .
وهكذا وجدنا القراءات العشر المتواترة المنسوبة إلى القراء العشرة لا تفرق في تعددها واختلافها بين مكي ومدنى من الذكر الحكيم ، بل تعمها جميعا وعلى حد سواء ، كما لا تفرق في تلقيها وأدائها بين أحد من الناس ، بل ورث القراءة بها في الكل والإقراء بها للكل كابرا عن كابر ، ثم لم يزل الأمر على هذا الشمول للمقروء وقرائه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها إن شاء الله تعالى .
ولعل ما قلناه من نزول القسم المكي من القرآن أول ما نزل بتلك اللهجة المستفيضة
الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 113
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص١١٣