وليس هذا ممّا يخالف حرية الإنسان في اتّخاذ المعتقد الذي يريد ، لأنّ الحرية ليست مطلوبة على إطلاقها .
ثمّ إنّ تخليص البشرية من براثن الوثنية إنّما هو خدمة للبشرية وإحياءً لها ، وإنقاذاً لشخصيّتها من ذلّ الخضوع تجاه الموجودات الحقيرة .
وهذا أمر ضروري حتّى إذا لم يدرك البشر أهمّيته ، أو امتنع من قبوله تمشّياً معهواه .
فلو أنّ وزارة الصحّة - مثلًا - أرادت تلقيح الناس باللقاح الصحّي ضد مرض داهم ، أو وباء قادم ، لزم على الجميع قبول هذا الأمر ، ولم يكن لأحد الامتناع عن ذلك بحجّة أنّه حرّ لا يجوز إكراهه على شيء .
فلاتسمع منه هذه الحجّة ، ولا يقبل منه هذا الرفض ، حفاظاً على الصحّة العامّة وصيانة للمجتمع من العدوي .
ويعتبر هذا الإكراه والإلزام بهذا الأمر العقلائي رحمة له ، ولطفاً به لاظلماً وعدواناً .
إنّ عبادة الوثن تجعل عابد الوثن أذل من الصنم الذي نحته بيديه . . . وإلى ذلك يشير سبحانه - مستنكراً - : « أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ » ؟ ( الصافّات / 95 ) .
ثمّ إنّ الخضوع للوثن يوجب إنحطاط الفكر الإنساني ووقوعه في الخرافات التي هي بمثابة القيود والأغلال للفكر البشري ، تمنعه عن الانطلاق في مدارج الرقي والتكامل ، وتحجز النفس الإنسانية من نموّ الفضائل والسجايا الخلقية الكريمة .
هذا مضافاً إلى أنّ عبادة الأوثان والأصنام توجد اختلافاً وتحزّياً بين البشر ، وتفرّق وحدته ، وتمزّق صفّه إذ كل جماعة تتّخذ وثناً خاصّاً تعبده وتتمسّك به ، وتنفي سواه ، وفي ذلك ضرر عظيم على حياة البشرية لا يقل عن خطر الطاعون والوباء ، وفي ذلك يقول اللَّه حاكياً عن لسان يوسف :
« يَاصَاحِبَى السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُالوَاحِدُ القَهَّارُ » ( يوسف / 39 ) .
مفاهيم القرآن — صفحة 503
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٥٠٣