فالدين الإسلامي بحاجة - في بقائه ، واستمرار حياته ووجوده - إلى هذه الأمور الثلاثة ، وأخصّ بالذكر الأمر الثالث .
فإنّ الإسلام ، لكونه رسالة إلهية منزلة لهداية البشريّة ، يسعى إلى تغيير العادات والتقاليد البالية ، والأوضاع الفاسدة والنظم الباطلة . . . ولذلك من الطبيعي أن يواجه معارضة من يخالف هذا التغيير مصالحهم ، ويتعارض مع أهدافهم ومطامعهم . . . وعند ئذٍ يجب على هذا الدين أن يقوم بدفع هذه الموانع ويكتسح تلكم الحواجز ، ليمضي قدماً في إداء رسالته ، وتحقيق أهدافه .
إنّ هناك فرقاً واضحاً بين ( المذهب الفلسفي ) و ( الدين الإلهي ) .
فالفيلسوف ، يكتفي ببحث الأمور الفلسفية لمجرّد التوضيح ، أو النقد وينشر أفكاره وتحليلاته بين الناس ليقفوا عليها ويعرفوها دون أن يرى إلزامهم بشيء منها .
فهو لا يهمّه سوى طرح أفكاره والدفاع عنها بقاطع البرهان ، وواضح الدليل .
وأمّا ( الدين الإلهي ) فليس مذهباً فلسفيّاً ليكتفي بمجرّد البيان والتوضيح ويحصر همّته في النقد والإشكال إنّما هو ثورة إصلاحية ، وعملية تغييريّة تهدف إلى إقامة نظام صالح عادل فوق رُكام الأنظمة الفاسدة ، والأوضاع المنحطّة .
وبديهي أنّه لا يتحقّق ذلك دون مواجهة الموانع ، وقيام الصراعات والحروب ، مع الجهات والقوى المعارضة لهذا التغيير .
فهل في العالم حركة تغييريّة استطاعت تحقيق أهدافها دون خوض الصراعات الحامية ، ودون نشوب الحروب وسقوط الضحايا ، أو إراقة محجمة دم ؟
فهل استطاعت ( الثورة الفرنسية ) أن تتجنّب إراقة الدماء ؟
وهل نجحت ( الثورة الروسية ) إلّا بعد سقوط الملايين من القتلى ؟
وهل حقّقت ( الثوره الهندية ) أهدافها إلّا عبر المئات من القرابين البشرية ؟
نعم إنّ ما يفترق به ( الجهاد الإسلامي ) عن الحروب الأخرى التي تفرضها
مفاهيم القرآن — صفحة 493
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٤٩٣