عن الأنبياء والشعوب يضاد عمله الحق والحقيقة فيحسن قتاله ، ومحاربته لأجل تحكيم الحق ونصرته .
ومن هنا يكون الجهاد التحريري في حقيقته جهاداً دفاعياً . لأنّ ذلك الجهاد إنّما هو لأجل إنقاذ المستضعفين الذين تعرّضوا لعدوان وظلم الظالمين أو لأجل إنقاذ القيم والحقوق والمثل الإنسانية التي وقعت عرضة لمزاحمة المستكبرين والحكام المستبدّين ، فأقاموا العراقيل في وجه الدعوة الإسلامية وسلبوا الناس حريتهم في اختيار العقيدة التي يريدونها .
وبهذا تبيّن أنّ الجهاد بأقسامه المختلفة جهاد دفاعي جوهراً ، وإن كان ينقسم حسب الاصطلاح الفقهي إلى الدفاعي والابتدائي .
وهاهنا نكتة نلفت إليها نظر القاري الكريم وهي أنّ الآيات الأولى التي نزلت في تشريع الجهاد تدلّ بأوضح الوجوه إلى أنّ الدافع إلى تشريع الجهاد هو الدفاع عن المسلمين وحقوقهم ولم يشرّع لأجل التجاوز والاعتداء على حقوق الآخرين ، وإليك الآيات :
« إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا * إِنَّ اللَّهَ لَايُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ * اذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدَيرٌ * الَّذِينَ اخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِى الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُ الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ المُنْكَرِ وَللَّهِ عَاقِبَةُ الامُور » ( الحج / 38 - 41 ) .
وإليك هذه الدلالات :
1 - قوله سبحانه : « لَايُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ » يدلّ بوضوح إلى أنّ الكافر المقاتل خائن ، وكل خائن معتد يجب محاربته .
مفاهيم القرآن — صفحة 490
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٤٩٠