أو بعيد أن يتساءل :
إذا كان الإسلام ينشد الصلح والتعايش السلمي مع الطوائف وأهل الملل الأخرى ، كما تشهد بذلك الطائفة الخامسة ، وإذا كان الإسلام يحترم العقيدة الأخرى ، ويمنع من إكراه أحد على تقبّل الإسلام واعتناقه كما تشهد على ذلك الطائفة الرابعة . . . فكيف يمكن تفسير الآيات الحاثّة على القتال والمحاربة ؟
إنّ ملاحظة مجموع الآيات من الطوائف الخمسة تهدينا إلى الجواب الصحيح .
فإنّ القتال - بملاحظة الطائفة الثانية والثالثة - إنّما شرع لأجل الدفاع ، وهذا الدفاع ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
1 - الدفاع عن النفس فرداً أو شعباً .
2 - الدفاع عن الغير ( أي المستضعفين والمضطهدين ) فرداً أو شعباً أيضاً .
3 - الدفاع عن القيم الإنسانيّة ، وهو يتحقّق بالجهاد ضد الحاكم المستبد المانع عن نفوذ الدعوة الإسلامية .
توضيحه : إذا كان الحاكم مستبدّاً مانعاً عن نفوذ دعوة الأنبياء والأولياء وملهيّاً لشعبه عن التوجّه إلى القيم الرفيعة التي جاء بها الأنبياء ، ودافعاً لهم نحو العقائد الخرافية التي تعتبر سدّاً أمام السعادة الإنسانية ، فعند ذلك يجب النضال ضد هذا الحاكم ونظامه لأمرين :
1 - إنّ الحاكم المستبد ظالم في نظامه ، ومعتد على حقوق الشعب حيث سلب عنهم الحقوق الطبيعية وهي الحرّية في الدعوة والاستماع إليها ، فعند ذلك يكون القتال معه قتالًا مع الظالم المعتدي .
2 - إنّ الدفاع عن النفس والمال والشعب وما يرتبط به يعدّ جميلًا عند شعوب العالم . غير أنّ الملاك في كونه جميلًا إنّما هو لأجل كونه دفاعاً عن الحق والحقيقة ، والدفاع عن الحريّة دفاع عن الحق ، فالحاكم المستبد السالب للحريّة
مفاهيم القرآن — صفحة 489
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٤٨٩