والمراد أنّه أنّما خشي الفتنة من نسائهم ولكن ما سقط فيه من الفتنة أكبر لتخلّفه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجزاؤه جهنّم « 1 » .
ثمّ خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المدينة وضرب عسكره على ثنية الوداع وخلّف علي بن أبي طالب ( رضوان اللَّه عليه ) على أهله وأمره بالإقامة فيهم فأرجف به المنافقون وقالوا : ما خلّفه إلّا إستثقالًا له وتخفّفاً منه ، فلمّا قال ذلك المنافقون أخذ علي بن أبي طالب ( رضوان اللَّه عليه ) سلاحه ثمّ خرج حتّى أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو نازل بالجرف ، فقال : يا نبي الله ، زعم المنافقون أنّك إنّما خلّفتني لأنّك استثقلتني وتخفّفت منّي ، فقال : كذّبوا ، ولكنّي خلّفتك لما تركت ورائي ، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك ، أفلا ترضى يا علي أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ؟ إلّا انّه لا نبي بعدي ، فرجع علي إلى المدينة ، ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على سفره « 2 » .
حديث تخلّف الثلاثة
ثمّ إنّه تخلّف بعضهم لا عن نفاق بل عن توان وهم : كعب بن مالك ومرارة بن ربيع وهلال بن اميّة . فلمّا قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة جاءوا إليه واعتذروا فلم يكلّمهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقدّم إلى المسلمين بأن لايكلّمهم أحد منهم ، فهجرهم الناس حتى الصبيان ، وجاءت نساؤهم إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فقلن له : يا رسول اللَّه نعتزلهم ؟ فقال : لا ولكن لايقربوكنّ ، فضاقت عليهم المدينة فخرجوا إلى رؤوس الجبال ، وكان أهاليهم يجيئون لهم بالطعام ولا يكلّمونهم ، فقال بعضهم لبعض : قد هجرنا الناس ولا يكلّمنا أحد منهم فهلّا نتهاجر نحن أيضاً ، فتفرّقوا ولم يجتمع منهم اثنان وبقوا على ذلك خمسين
هامش
( 1 ) . السيرة النبوية : ج 2 ص 516 .
( 2 ) . السيرة النبويّة ج 2 ص 520 .