المصلحة وناجماً عن سوء تدبيره ، وبالتالي كان ذنباً ومعصية ، أو أنّ الآية خرجت لبيان أمر آخر ؟ والصحيح هو الثاني وإليك البيان :
إنّ دراسة الموضوع توقفنا على أنّ إذن رسول اللَّه كان مقروناً بالمصلحة إذ لولاه فلايخلوا حالهم بين أن يكونوا مطيعين أو عاصين ، فلو أطاعوه وساهموا المسلمين لكان ضررهم أكثر من نفعهم لقوله سبحانه : « لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَاوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ » ( التوبة / 47 ) .
ولأجل أنّ ضررهم كان أكثر من نفعهم ، أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يشاركهم في الجهاد ولو طلبوا منه ، قال سبحانه : « فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلِى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَئْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقَلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِىَ أَبَدَاً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِىَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الخَالِفِينَ » ( التوبة / 83 ) .
ولو خالفوا واثّاقلوا إلى الأرض لكان الفساد أعظم ، لأنّ المخالفة الواضحة توجب تهبيط عظمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الأعين وربّما تتّخذ خطة عادية للمنافقين في مجالات اخر .
ولأجل هذا لمّا استأذنوا أذن لهم وما هذا إلّا دفعاً للفاسد أو الأفسد .
وبعبارة أخرى : أنّهم كانوا عازمين على عدم الخروج مع المؤمنين لغزو الروم ، بل كان لهم في غياب النبي صلى الله عليه وآله وسلم تخطيط ومؤآمرة أبطله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتخليف عليّ عليه السلام مكانه كما هو مذكور في السيرة ، قال سبحانه : « وَلَوْ ارَادُوا الخُرُوجَ لَاعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ » ( التوبة / 46 ) .
والآية صريحة في أنّهم كانوا عازمين على ترك الخروج وكان الاستئذان نوع تغطية لقبح عملهم فما كانوا يخرجون إلى الجهاد سواء أذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
مفاهيم القرآن — صفحة 461
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٤٦١