وقد ألمع إلى السبب الثالث بقوله : « فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَاتَنْفِرُوا فِى الحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ » ( التوبة / 81 ) .
كان المنافقون يقولون لإخوانهم لاتنفروا في حرّ الصيف واللَّه سبحانه فنّد آراءهم وسفّه أحلامهم بأنّ نار جهنّم المعدّة للعصاة أشدّ حرّاً من تلك الأيّام ، لأنّ ذلك الحرّ تحتمله الأجسام وأمّا نار جهنّم فتلفح الوجوه وتنضج الجلود ، وعلى ذلك ينبغي عليهم أن يضحكوا قليلًا وبيكوا كثيراً .
هذه سيرة المنافقين وضعفاء الإيمان في كل عصر يعتذرون في الصيف بشدّة الحرّ ، وفي الشتاء بشدّة البرد ، ولكنّها أعذار ظاهريّة اتّخذوها واجهة لستر ما هو السبب الحقيقي لترك المساهمة .
والتاريخ يعيد نفسه . كان علي عليه السلام يأمر أصحابه بالجهاد ضد العدو وهم يتثاقلون إلى الأرض ، يعتذرون بمثل تلك الأعذار ، يقول الإمام : « فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيّام الصيف ، قلتم : هذه حمارة القيظ أمهلنا يُسَبَّخَ عنّا الحرّ ، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء ، قلتم : هذه صبارّة القرّ أمهلنا ينسلخ عنّا البرد ، أكلّ هذا فراراً من الحرّ والقرّ ، فإذا كنتم من الحرّ والقرّ تفرّون فأنتم واللَّه من السيف أفر ، يا أشباه الرجال ولارجال ! . . . » « 1 » .
إلى هنا وقفنا على الأسباب الواقعيّة التي ثبّطت عزائم المنافقين عن المساهمة في الجهاد ، ثمّ إنّهم كانوا ينتحلون الأعذار الواهية ، ليستأذنوا النبي في القعود والتخلّف ، وكان النبي يأذن لهم ، فتزل الوحي وقال : « عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الكَاذِبِينَ » ( التوبة / 43 ) .
وهل الآية تدلّ على أنّ إذنه صلى الله عليه وآله وسلم كان على خلاف
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة : الخطبة 27 .