ثم إنّه سبحانه أعاد حديث الأسوة لأهمّيته ، وانّه إنّما ينتفع بها المؤمنون أيالذين يرجون ثواب الإيمان بالله سبحانه ، وما وعد الله به المؤمنين في الآخرة ، غير أنّ من رفض حديث الأسوة ، وتولّى أعداء الله ، فإنّما يضر نفسه والله سبحانه هو الغني ، وقال : « لَقَدْ كانَ لكُمْ فِيهِمْ اسوةٌ حَسنةٌ لِمَن كانَ يَرجُوا اللَّه واليومَ الآخِرَ ومَنْ يتولّ فانَّ اللَّهَ هو الغنيُّ الحِميد » .
ولمّا نهاهم عن موالاة الكفّار وإلقاء المودّة ، وكان ذلك عزيزاً على نفوسهم لوجود الوشائج القومية بينهم ، وكانوا يتمنّون أن يجدوا المخلص منه ، أردف ذلك سبحانه انّه عسى أن يجعل بينهم ، وبين الذين عادوهم مودّة ، وقد أنجز سبحانه ذلك بفتح مكّة ، فأسلم كثير منهم ، وتم لهم ما كانوا يريدون من التحابّ والتواد .
وإليه يشير قوله سبحانه : « عسى اللّهُ ان يَجعَلَ بينكُمْ وبينَ الذينَ عادَيْتُم مِنهُمْ مودَّةً واللّهُ قديرٌ واللّه غفورٌ رحيم » .
* * *
المعيار في إبرام المعاهدات مع الكفّار :
لما كان المستفاد من قوله سبحانه في صدر السورة : « يَا ايُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّى وَعَدُوَّكُم اوْلِيَاءَ » هو قطع جميع العلائق والأواصر بالكفار ، أعقبها بما يخصص مضمون الآية بالقسم المحارب دون مطلق الكافر بقوله عزّ من قائل :
« لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِنْ دِيَارِكُمْ انْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا الَيْهِمْ انَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ » ( الممتحنة / 8 ) .
« انَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُم فِى الدِّينِ وَاخْرَجُوكُم مِنْ دِيَارِكُم وَظَاهَرُوا عَلَى اخْرَاجِكُمْ انْ تَوَلَّوْهُم وَمَنْ يَتَوَلَّهُم فَاوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ » ( الممتحنة - 9 ) .
وهاتان الآيتان تتضمّنان الإلفات إلى ما هو الأصل الرصين ، والمحور الرئيسي