ثم إنّه سبحانه يستثني في هذه الآية شيئاً وهو : « الَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِابِيهِ لَاسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا امْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ » .
وعند ئذٍ يجري الكلام في التنبيه على ما هو المراد بالمستثنى منه فنقول : قد ورد قبل الاستثناء جملتان والاستثناء يرجع إلى واحد منهما وهما عبارة عن .
1 - « اسْوَهٌ حَسَنَةٌ فِى ابْرَاهِيمَ » .
2 - « اذْ قَالُوا لِقَوْمِهِم انَّا بُرَءَآؤُا مِنْكُم » .
وارجاع الاستثناء إلى الجملة الأولى بعيد عن السياق لأنّ معناه حينئذ : إنّ إبراهيم أسوة في كل شيء إلّا في هذا المورد ، وهذا لا يتناسب مع مقام نبوّته ، ومع قوله سبحانه في حقّه : « انَّ اوْلَى النَّاسِ بِابْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِىُّ المُؤْمِنِينَ » ( آل عمران / 68 ) .
فإذا كان إبراهيم أولى بأن يتبعه النبي الأكرم ، فكيف لا يكون أسوة على الاطلاق .
على أنّ الآيات الكريمة الواردة في استغفار إبراهيم تعرب عن أنّ عدته بالاستغفار لأبيه كان عملًا حسناً وواقعاً في محلّه ، وذلك لأنّه وعده عندما يحتمل انّه سيعود إلى فطرته السليمة ، ويقطع أواصره بالوثنية قال سبحانه :
« وما كانَ استِغفَارُ إبراهِيمَ لأَبِيهِ إلّا عَن مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إيّاهُ فلمّا تَبَيَّنَ لَهُ انّهُ عَدُوٌ للَّهِ تَبرَّأَ مِنْهُ إِنّ إبراهِيمَ لأَوّاهٌ حَلِيم » ( التوبة / 114 ) .
وهذا يعرب عن أنّ الوعد إنّما كان في زمن كان يؤمل فيه منه الصلاح والرشد ، ولذلك لما استولى اليأس ، وفقد الأمل بتحقّق ذلك الأمر ، تبرّأ منه وعلى ذلك يتعيّن القول برجوع الاستثناء إلى الجملة التالية لأنّ مفادها انّ إبراهيم ومن كان معه تبرّؤا من جميع من كان يمت إليهم بصلة في قومهم ، مع انّ إبراهيم لم يتبرّأ من أبيه ، ولأجل ذلك جاء بالاستثناء ومعناه : إنّ إبراهيم واتباعه قالوا لقومهم : إنّا برءآؤا منكم ، إلّا إبراهيم ، فلم يتبرءا من أبيه وهذا هو المستفاد من الآيات .
مفاهيم القرآن — صفحة 434
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٤٣٤