تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الانْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً الِيماً » ( الفتح / 11 - 17 ) .
نزلت هذه السورة الكريمة حين منصرفه صلى الله عليه وآله وسلم من الحديبيّة في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة ، لمّا صدّه المشركون عن الوصول إلى المسجد الحرام ، وحالوا بينه وبين قضاء عمرته ، ثمّ مالوا إلى المصالحة والمهادنة ، وأن يرجع عامه هذا ثمّ يأتي من قابل ، فأجابهم إلى ذلك على كراهة جماعة من الصحابة ، فلمّا نحر هَدْيه حيث احصر ورجع ، أنزل الله تعالى هذه السورة فيما كان من أمره وأمرهم ، وجعل هذا الصلح فتحاً لما فيه من المصلحة ، كما سيجئ التصريح في قوله سبحانه : « فعجّل لكم هذه » .
وقد تخلّف عن هذه الغزوة ، المنافقون ، ولمّا عاد المسلمون إلى المدينة ، أخذوا يعتذرون وإليك تحليل معذرتهم .
إعتذار المنافقين عن عدم الحضور
إنّ هذه الآيات تتعرّض لحال الأعراب الذين قعدوا عن المشاركة ولم ينفروا إذ استنفرهم الرسول ، وهم أعراب نواحي المدينة ، وما قعدوا عن المشاركة إلّا لأنّهم كان يخالون أنّ محمداً وأصحابه لا يرجعون أدراجهم في هذه السفرة ، لأنّهم يذهبون لغزو قريش الذين قتلوا المسلمين قتلًاذريعاً ، ونكّلوا بهم في عقر دارهم « غزوة أحد » ولمّا رجع رسول الله وأصحابه سالمين ، أخذوا باختلاق المعاذير بقولهم :
« شَغَلَتْنَا امْوَالُنَا وَاهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِالْسِنَتِهِم مَا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِم » .
إنّه سبحانه يردّ عليهم ، بأنّ الضر والنفع بيد الله سبحانه ، حيث ظنّوا انّ التخلّف عن النبي يدفع عنهم الضر أو يعجّل لهم النفع ، والسلامة في الأنفس والأموال ، فقال سبحانه : « قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً انْ ارَادَبِكُمْ ضَرّاً اوْ ارَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً » .