المشركين على بصائر الناس ، والذي صوّر النبي ، وأتباعه مَردَة على شريعة إبراهيم الحنيفّية ، وأعداء القبلة التي بناها للعبادة .
2 - إنّ النبي أثبت في عقد الصلح مع قريش براعته السياسيّة ، وحنكته القياديّة الفذّة ، حيث أظهر مرونةً لا نظير لها ، حتّى أنّه قبل أن يكتب « باسمك اللهم » مكان « بسم الله الرحمن الرحيم » ، وأن يحذف مقام الرسالة والنبوّة عن اسمه ، وذلك يُنبئ عن أنّه كان مهتمّاً على حفظ الدماء والأنفس ، وإقرار مبادئ الصلح والسلام على ربوع المنطقة ، وإشاعة الأمن في السبل والقفار ، حتّى يتمكّن في ظل تلك الأمور من بث الدعوة الإسلامية ، فإنّه في ظل تحكيم مبادئ السلام يكون أكثر قدرة وفاعلية لنشر المبادئ السامية .
3 - إعطاء صورة بديعة رائعة لمبدأ الحرية في الإسلام للبرهنة على أنّه لم يقم على أساس الجبر والإلزام ، بشهادة انّه قبل بالبند الذي ينص على أنّ من فرّ من المسلمين إلى جانب مكّة ، وارتّدعن الإسلام أن لا يستردّه .
4 - إنّ المستقبل أثبت أنّ المرونة التي أظهرها في القبول بأحد البنود الناصّة على لزوم ردّ من فرّ من مكّة إلى المدينة ، ولو اعتنق الإسلام كانت صائبة ، وإن أثارت حفائظ بعض الصحابة ، ودفعهم إلى القول بأنّه من قبيل تقبّل الدنيّة في طريق الدين « 1 » ، ولكن المستقبل أثبت خلاف ما خطر في أذهانهم من تصوّرات ، وإليك نص ما صرّح به أهل السير والتاريخ في ذلك :
« لمّا قدم رسول الله المدينة فرّ أبو بصيرمن مكة إلى المدينة . فقال رسول الله : يا أبا بصير ، إنّا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر ، وانّ الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً ، فانطلق إلى قومك . قال : يا رسول الله أتردّني إلى المشركين يفتنوني في ديني ؟ قال : يا أبا بصير انطلق ، فإنّ الله تعالى سيجعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً .
هامش
( 1 ) . تعرفت على قائله .