ب - « يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الامْرِ مِنْ شَىْءٍ » والظّاهر أنّ المراد من الأمر هو الظّفر والنّصر في كلا الموردين ، والمقصود من الضمير في « لَنَا » هؤلاء بما أنَّهم يشكّلون جزءاً من المسلمين وإن لم يكونوا منهم حقيقة ، والمعنى :
يقول بعضهم لبعض على سبيل الإنكار والإستهجان : « هَلْ لَنَا مِنَ النَّصْرِ وَالفَتْحِ والظّفر نصيب » ؟ ! يعنون أنّه ليس للمسلمين ( لنا ) من ذلك شيء ، وإنّ اللَّه سبحانه لا ينصر محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم وبما أنّ النّصر وكون الدّين حقّاً كانا متلازمين عندهم ، فاستنتجوا أنّ الدعوة المحمّديّة ليست حقّاً .
ثمّ إنّه سبحانه أجابهم في معرض تناول ذكرهم بقوله :
« انَّ الامْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ » أيكلّ الأمور بيده سبحانه حتّى النّصر والهزيمة ، وإليه دعى محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو معتقد المسلمين ، ولكن بمقتضى حكمته وسننه الّتي وضعها لتسيير شؤون الخلق ، وربط فيها الأسباب بالمسبّبات ، فهو وإن وعد رسله بقوله :
« كَتَبَ اللَّهُ لَاغْلِبَنَّ انَا وَرُسُلِى انَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ » ( المجادلة / 21 ) .
وقال : « وَانَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ » ( الصافّات / 173 ) .
ولكنّ تحقّق هذا الوعد مرهون بتوفّر الأسباب الكفيلة بالنصر ، فإنّه سبحانه هو الذي وضع سنّة الأسباب والمسبّبات ، فما كان سببه أقوى كان وقوعه أرجح سواء في ذلك الحقّ والباطل والخير والشر والهداية والضلالة والعدل والظلم ، ولا فرق فيه بين المؤمن والكافر ، والمحبوب والمبغوض ، ومحمد وأبي سفيان ، ولأجل ذلك كلّما توافقت الأسباب العاديّة على تقدّم هذا الدين وظهور المؤمنين كان النصر حليفهم ، وحيث لم تتوافق الأسباب كتحقّق نفاق أو معصية لأمر النبيّ أو فشل أو جزع كانت الغلبة والظهور للمشركين على المؤمنين ، وكذلك الحال في أمر سائر الأنبياء مع النّاس .
وإنّكم أيّها المنضوون تحت لواء المسلمين قد عصيتم أمر الرسول ،
مفاهيم القرآن — صفحة 358
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٥٨