ولم تأتمروا بأمره ، فأخليتم مواقعكم عاصين لأمره وآثرتم حطام الدّنيا والأدنى الخسيس ، ومع ذلك تترقّبون النصر لكم والهزيمة للعدو ! فكيف يقتطف الثمرة من لميغرس شجرتها أو غرسها ولم يقم بأمرها ؟
ثم إنّه سبحانه بعد هذه الإجابة يأخذ بتبيين ما كان يخامرهم من الأفكار الفاسدة .
ج - « يُخْفُونَ فِى انْفُسِهِم مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الامْرِ شَىْءٌ مَاقُتِلْنَا هَيهُنَا » .
الظّاهر أنّ قولهم : « يَقُولُونَ لَوْ كَانَ . . . » تفسير للموصول في « مَا لَا يُبْدُونَ » والفرق بين ما كانوا يظهرونه وما يضمرونه واضح ، فقد كانوا يتظاهرون بالاستفسار في قولهم : « هل لنا من الأمر شيء » لغاية التشكيك ، وهي وإن كانت فكرة خاطئة ولكن لمّا غلّفت بطابع الاستفسار لم تكن ذات بأس شديد .
ولكنّهم كانوا يخفون قولهم : « لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الامْرِ شَىْءٌ مَا قُتِلْنَا ههُنَا » يريدون بذلك الإستدلال على بطلان الدعوة المحمّدّية بحجّة الإنكسار لأنّ النبيّ الأكرم كان يقول : الأمر بيد اللَّه وأنا رسوله ، فلو كان ما يدّعيه حقّاً بأنّ الأمر كان بيد اللَّه لا بيد الآلهة والأرباب المعبودة بين الناس وكان محمّد من جانبه لعمّنا النصر ، ولكنّه النهاية كانت على العكس من ذلك ، فكيف يمكن أن يكون الأمر بيد اللَّه غير مقسّم على الآلهة والأرباب المدبرّة للُامور بزعمهم .
ولأجل انّ تلك الفكرة كانت فكرة أهل الشرك والوثنيّة سمّاها سبحانه « ظَنَّالجَاهِلِيَّة » .
ولكنّهم تناسوا ما جرت عليه سنّته الحكيمة ، فإنّ الأمر بيد ا لله ولكنّها تجري وفق الأسباب والمسبّبات ، فمن لم يأخذ بأسباب النصر لم يكن حليفه .
ثم إنّه سبحانه أجاب عن تلك الفكرة بوجوه ثلاثة :
مفاهيم القرآن — صفحة 359
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٥٩