تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
الأوّل : « قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِى بُيُوتِكُم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ الَى مَضَاجِعِهِمْ » فالآجال محدودة والأعمار مؤقتّة بوقت لا تتعدّاه ، فإن قتل من قتل منكم في المعركة ليس دليلًا على عدم كون الأمر بيد اللَّه أو أنّ الدعوة المحمّديّة ليست على حق ، بل لأجل القضاء إلالهي الّذي لا مناص من الوقوع في نفوذه وإمضائه ، فقد كان في قضائه إضطجاع هؤلاء في هذه المضاجع ، فلو لم تكونوا خرجتم إلى القتال لبرز الّذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ، فلا مفرّ من الأجل المسمّى الّذي إذاحان لا يتقدّم ساعة ولا يتأخّر . الثاني والثالث : « وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ » أيوقع ما وقع في غزوة أحد لظهور ما انطوت عليه سريرة كلّ نفس حتّى يتميّز المؤمن من المنافق والمجاهد من المتقاعد ، وقدجرت سنّة اللَّه على عموم الابتلاء والتمحيص وهي حاكمة على جميع الأمم لغاية التمحيص . نعم ليست الغاية من ابتلائه سبحانه لعباده هو التعرّف لما يكمن في ضمائرهم فإنّه سبحانه عليم بالسرائر مطّلع على الضمائر لا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء ، بل الغاية هي الابتلاء والتمحيص ووصول كلّ ما بالقوّة إلى الفعل من الكفر والإيمان ، وإليه يشير قوله سبحانه : « وَاللَّهُ عَلَيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ » . وحصيلة البحث : أنّ هذه الآية تشير إلى فريقين من المسلمين والمؤمنين الملتفّين حول الرسول المتنكّبين عَن المنافقين . ( أحدهما ) : طائفة وهبهم اللَّه عزّ وجلّ بعد الغمّ نعاساً أمنة منه لإزالة ما انتابهم من الروع والخوف والتفّوا حول الرسول بعد الندم . ( ثانيهما ) : طائفة شغلتهم أنفسهم لا يتجاوز تفكيرهم نطاق ذاتهم من دون أن يتوجّهوا قيد طرفة صوب قائدهم ونبيّهم ، وقد اعترتهم هواجس الجاهليّة الأولى ، فتارة يتفوّهون بها علانية بنحو من الشك والترديد والاستفسار بقولهم : « هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ » وأخرى بصورة الجزم والقطع واليقين بنحو الإخفاء والاسرار بقولهم :
مفاهيم القرآن — صفحة 360 | الشيخ جعفر السبحاني