النداء بنعي النّبي :
والذي زاد في الطّين بلّة وأعان على تمّزق الصفوف ، وتفرّق المسلمين عن ساحة الحرب ، ولجوئهم إلى مخابئ الجبل وثناياه ، سماعهم خبراً مكذوباً يهتف بموت النّبي ، إذ نادى أحد المشركين أنّ محمّداً قد قتل ، فعند ذلك سقط ما في أيدي المسلمين ، وتفرّقوا في كل وجه ، وصعدوا الجبل ، والتجاؤا إلى المخابئ ، فلم يبق إلّا الأقل القليل من أصحابه .
هذه هي الحالة التّي صار إليها المسلمون . وأمّا المشركون ، فقد امتلأوا فرحاً وطرباً ، واستنهضت هممهم كل يريد أن يشفي غليله بالمساعدة على الإجهاز على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .
وفي هذه المرحلة الرهيبة كيف يتصوّر حال النبيّ ؟ فهو بين تجرّع مرارة جلاء أصحابه من ساحة القتال ، وبين مضض هجوم عدوه بشراسة وحماسة تجاه موقعه وموضعه الّذي ربض فيه .
فلم يصمد معه في ساحة المعركة إلّا شرذمة قليلة ، وعلى رأسهم ابن عمّه علي بن أبي طالب ، وأبو دجانة سمّاك بن خرشة ، وكلمّا حملت طائفة على رسول اللَّه إستقبلهم علي عليه السلام ، فد فعهم عنه حتّى تقطّع سيفه ، فدفع إليه رسول اللَّه سيفه ذا الفقار ، وانحاز رسول اللَّه إلى ناحية جبل أحد ، فصار القتال من وجه واحد ، فلم يزل علي يقاتلهم حتّى أصابه في رأسه ووجهه ويديه سبعون جراحاً . كان علي يدافع عن ساحة النّبي ، والنّبي يريد اللجوء إلى جانب الجبل ، كان النّبي على هذه الحالة إذ عرفه أحد أصحابه وهو كعب بن مالك ، عرفه من عينيه وهما تزهران من تحت المغفر ، فنادى بأعلى صوته : يا معشر المسلمين ، أبشروا ، هذا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم . فأشار إليه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : أن أنصت « 1 » وإذا أردت أن تقف عن كثب على حقيقة الحال ، وعلى ما حاق
هامش
( 1 ) . السيرة النبويّة ج 2 ص 83 ، والمغازي للواقدي ج 1 ص 236 .