عدم استقرار الإسلام في المنطقة كما كان الحال كذلك في السنوات الأولى قبل غزوة الأحزاب ، وأمّا بعدها فقد علا أمر النّبي واستقرّ ، فلم تكن حاجة إلى قتل الأسرى ، بل كان السائد هو ما ورد في سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من إطلاق سراحهم منّاً عليهم ، أو أخذ الفدية منهم .
بل الظروف في غزوة واحدة كانت مختلفة ، فربّما تسود في السّاعات الأولى من الحرب حالة عدم الاستقرار والتزلزل ، ومظنّة رجوع العدو ثانياً بعد إطلاق سراحه ، فلا يؤخذ الأسرى ، والحال إنّ الحالات الأخيرة من الحرب كانت على عكس ذلك ، فلم يكن أيّة مظنّة للكرّة ، فيختصّ قتل الأسرى في غزوة واحدة بالسّاعات الأولى أيساعات عدم الاستقرار ، ومظنّة الكرة لا الساعات الأخيرة .
ثُمَّ انّ الآية الثانية أعني قوله : « لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُم فِيْمَا اخَذْتُم عَذَابٌ عَظِيمٌ » يعرب عن عظم المعصية ، أعني أخذ الأسرى قبل الإثخان في الأرض لما فيه من مظنّة زوال الإسلام وكيانه .
كيف ولولا كتاب سابق لمسّ المسلمين ، أو المصرّين على الأخذ عذاب عظيم . وأمّا ما هو هذا الكتاب الّذي سبق ، فقد ابهم غاية الإبهام ، لأنّه أنسب في مقام المعاتبة ليذهب ذهن السامع كل مذهب ممكن ، ولا يتعيّن عنده ، فيهون عنده الأمر . ومن ردي الكلام ما مرّ في غير واحد من التفاسير : قال رسول اللَّه : « إن كاد ليمسّنا في خلاف ابن الخطّاب ( حيث كان يقترح القتل خلاف الباقين حيث كانوا يقترحون الأخذ ) عذاب عظيم ، ولو نزل العذاب ما أفلت إلّا عمر » .
ومعناه شمول العذاب ، للرّسول الأعظم ، وقد سبق من المراغي وغيره : إنّ العتاب عام يعمّ المسلمين والنّبي الأكرم ، مع أنّه سبحانه يقول : « وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَانْتَ فِيْهِم » ( الأنفال / 33 ) .
فالّذي يدفع بوجوده العذاب ، صاريُدفع عنه العذاب بوجود غيره . « كَبُرتكَلِمَة تَخْرُج مِنْ افْوَاهِهِم » ( الكهف / 5 ) .
مفاهيم القرآن — صفحة 340
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٤٠