تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
يريدون عرض الدّنيا ، أعني المال الّذي يأخذونه من الأسرى فداء لهم ، واللَّه يريد ثواب الآخرة الباقي . والعتاب خاص بالصحابة والمسلمون الأوائل دون النّبي ، بشهادة تغيّر لحن الكلام حيث إبتدأه بقوله : « ماكانَ لِنّبيٍّ أنْ يكونَ لَهُ أسرى » وانتهى بالخطاب للمسلمين « تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا » ، والخطاب خاص بهم لا يشمل النّبي ، وحاشا نبيّ العظمة أن يريد عرض الدّنيا . ومن ردي الكلام ما مرّ في تفسير المراغْي وغيره ، من أنّه سبحانه عاتبهم على ما فعلوا بعد بيان سنّة النبيين كما عاتب رسوله « 1 » . والآية تعرب أنّ السنّة الجارية في الأنبياء الماضيبن هي أنّهم كانوا إذا حاربوا أعداءهم ، وظفروا بهم ينكّلونهم بالقتل لكي يضعفوا أوّلًا ، ويعتبر بهم مَنْ وراءهم ، فيكفّوا عن محادّة اللَّه ورسوله ، فكانوا لا يأخذون أسرى حتّى يثخنوا في الأرض ، ويستقرّ دينهم بين النّاس ، وأمّا مسألة المنّ أو الفداء ، فإنّما هو بعدما علا أمر الإسلام ، واستقرّ في الحجاز واليمن : « فَاذَا لَقِيتُم الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى اذَا اثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوِثَاقَ فَامَّا مَنّاً بَعْدُ وَامَّا فِدَاءً » ( محمد / 4 ) ، فحكم الأسرى قبل الإثخان هو القتل ، وأمّا بعده ، فالحكم هو شدّهم في الحبال ، وسوقهم على الأقدام حتّى يتعامل معهم بأحد الأمرين : المنّ وإطلاق السراح ، أو أخذ الفدية . وبذلك يعلم أنّ الأمر بقتل الأسرى إنّما كان حكماً مؤقّتاً زمنياً مختصّاً بزمن لم يستقر أمر النّبي ولا دينه ، فكان في أخذ الأسرى مظنّة الخوف على بيضة الإسلام ، وأمّا إذا إرتفع ذلك الخوف ، وضرب الإسلام بجرانه « 2 » في الأرض ، فالحكم السائد هو ما جاء في سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المنّ ، أو أخذ الفداء ، فلربّما يستدلّ بالآية على أنّ الإسلام يسرف في إراقة الدماء ، وقتل النفوس ، لا أصل له ، لأنّ الأمر بالقتل ، وعدم أخذ الأسرى ، كان راجعاً إلى حالة خاصّة ، وهي حالة
هامش
( 1 ) . تفسير المراغي ج 4 ص 36 . ( 2 ) . ضرب الإسلام بجرانه : أيثبت واستقرّ .