ولمّا قال الجمحي هذه المقالة أرسلوا أبا اسامة الجشمي وكان فارساً ، فأطاف بالنّبي وأصحابه ، قال : واللَّه ما رأيت جلداً ، ولا عدداً ، ولا حلقة « 1 » ، ولاكراعاً ، ولكنّي واللَّه رأيت قوماً لا يريدون أن يعودوا إلى أهليهم ، قوماً مستميتين ليست لهم منعة ولا ملجأ إلّا سيوفهم « 2 » .
فلمّا سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في النّاس ، فأتى عتبة بن ربيعة ، فاستدعى منه أن يرجع بالنّاس فلبّى دعوته برحابة ، وأمره بالإنطلاق إلى أبي جهل ، ويستدعي منه نفس ذلك ، فرجع إليه وقال يا أبا الحكم : إنّ عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا ( أي أن ترجع بالنّاس وتترك الحرب ) ، فقال : « واللَّه لا نرجع حتّى يحكم اللَّه بيننا وبين محمّد . وما بعتبة ما قال ، ولكنّه قد رأى أنّ محمداً وأصحابه أكلة جزور ، وبين أصحابه ابنه ، فقد تخوّفكم عليه » . وبالتّالي أفسد أبو جهل على النّاس الرأي الّذي دعاهم إليه عتبة ، وجرّهم إلى التهلكة والدمار .
الشرارة الّتي أشعلت الحرب
كان القوم يتحاورون حول الحرب ، فبين داع إلى ترك الوادي واللحوق بمكّة ، وترك أمر محمّد إلى ذؤبان العرب « 3 » ، وبين متردّد يقدّم رجلًا ويؤخّر أخرى ، ومحرّض يدعو إلى الإقدام والقتال ، فبينما كان القوم على هذه الحالة ، خرج الأسود بن عبدالأسد المخزوفي ، وكان رجلًا سيئ الخلق ، فقال : أعاهد اللَّه لأشربن من حوضهم ، أو لُاهدِّمنّه أو لأموتنّ دونه ، فلمّا خرج ، خرج إليه حمزة بن عبد المطلب ، فلمّا إلتقيا ، ضربه حمزة فأطار قدمه بنصف ساقه ، وهو دون الحوض ، فوقع على ظهره تشخب رجله دماً ، ثم حبا إلى الحوض ، حتّى وقع فيه ، يريد أن يبرّ يمينه ، فتبعه حمزة وضربه حتى قتله في الحوض .
هامش
( 1 ) . أيسلاحاً .
( 2 ) . المغازي ج 1 ص 62 .
( 3 ) . صعاليكهم .