فإنّ من يمنع من قطع الشجرة أولى بأن يمنع من طمّ القلب الّتي حفرها رجال الخير لأجل سقاية القوافل الّتي كانت تمرّ من هذا الطريق .
وقد أشار بعض أصحابه في غزوة خيبر أن يمنع جريان الماء إلى قلاع خيبر ، فأبى « 1 » . وقد كانت هذه سيرة وصيّة أمير المؤمنين فإنّه - صلوات اللَّه عليه - ورد صفّين وقد سيطر أصحاب معاوية على الشريعة ، فمنعوا أصحاب علي من الإستقاء ، حتّى أصابهم العطش وضاق الأمر عليهم ، فلم يكن بد من فتح طريق الماء على أصحابه ، فحمل حملة خاطفة مع لفيف من أصحابه على الشريعة فأزال جيش معاوية عنها ، فلمّا استولى عليها إقترح عليه بعض أصحابه أن يعتدي عليهم بالمثل ، فأبى ، وقال - مخاطباً لعسكره - : خذوا من الماء حاجتكم وارجعوا إلى عسكركم وخلّوا بينهم وبين الماء ، فإنّ اللَّه قد نصركم ببغيهم وظلمهم « 2 » .
وأمّا بناء العريش للنّبي الأكرم ، فهو بمعزل من الصّحة ، فإنّ قبوله أمام أصحابه الّذين يضحّون بنفسهم ونفيسهم يثبّط من عزائمهم ، ويخفّف من مثابرتهم ، فإنّهم إذا رأوا بامّ أعينهم أنّ سيّدهم على حالة إذا رأى بوادر الهزيمة فسيجلس على الركائب وينجي نفسه ويترك أصحابه تحت رحمة عدوّهم ، فلربّما يشكّون في صحّة دعوته ونبوّته ، فلا يصدر مثل ذلك الاقتراح من سيد مثل سعد بن معاذ المعروف بالعقل والحنكة ، ولو صدر منه - على وجه بعيد - فلن يقبله النّبي الأكرم الّذي يصفه علي عليه السلام بقوله : « كان أقرب الناس إلى العدوّ ، وكنّا إذا احمر البأس إتّقينا برسول اللَّه » « 3 » .
هامش
( 1 ) . ناسخ التواريخ ج 2 ص 400 .
( 2 ) . وقعة صفّين ص 180 .
( 3 ) . نهج البلاغة : قسم غريب كلامه برقم 9 .