فتربّصوا ذلك من نصرهم ، ولم يكن وعده إلّا خداعاً ، وفي ذلك نزل الوحي :
« أَلَمْ تَرَ إِلِى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِاخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفُرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَئِنْ اخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَانُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ اخْرِجُوا لَايَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَايَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لَايُنْصَرُونَ * لَانْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذِلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَايَفْقَهُونَ * لَايُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعَاً إِلَّا فِى قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُر بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذِلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَايَعْقِلُونَ * كَمَثَلِ الَّذِينَ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ » ( الحشر / 11 - 15 ) ففي هذه الآيات ملاحم وتنبّؤات غيبية كشف عنها الوحي . وإليك الإشارة إليها :
1 - إنّ اليهود لعلاقتهم الشديدة بالحياة لا يجرأون على مقاتلتكم خارج حصونهم ، وإنّما يقاتلونكم متمنّعين بحصونهم ، ويكتفون في ذلك برشقهم بالحجارة ونحوها ، كما أشار إليه قوله : « لَايُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِى قُرَىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ » .
2 - يستأسدون عند الاجتماع ببعضهم البعض ولكنّهم عند لقاء المسلمين ينتابهم الخوف والرعب والهلع ، ويستفاد ذلك من ضم الآيتين أعني قوله : « بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ » إلى قوله : « لَانْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ » .
3 - إنّهم يتظاهرون بوحدة الكلمة ، ولكنّها وحدة شكلية صورية وقلوبهم شتّى ، وإليه يشير قوله سبحانه : « تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى » .
ثمّ إنّ الذكر الحكيم يصفهم بأنّهم قوم لا يعقلون ولايتّخذون العبرة ممّا لاقاه بنو قينقاع ، وإليه يشير قوله : « كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ » .
ثمّ إنّ الملاحم الواردة فيما سبق من الآيات لا تنحصر بذلك بل تنبّأت بأنّ وعد النصر من جانب المنافقين وعد خاوٍ ومكذوب لايفون به ، وإليه يشير قوله سبحانه : « لَئِنْ اخْرِجُوا لَايَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَايَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لَايُنْصَرُونَ » .
مفاهيم القرآن — صفحة 296
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٢٩٦