تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
وقد تنبّأ القرآن بكل ما ذكرنا قبل وقوع النصر وغلبة المسلمين عليهم . روى البيهقي : إنّ النبيّ مضى لأمر اللَّه تعالى فأمر أصحابه فأخذوا السلاح ، ثمّ مضى إليهم وتحصّنت اليهود في دورهم وحصونهم ، فلمّا إنتهى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم إلى أزقّتهم وحصونهم فأمر بالأدنى فالأدنى من دورهم أن تهدم ، وبالنخل أن تحرق وتقطع ، وكفّ اللَّه تعالى أيديهم وأيدي المنافقين فلم ينصرونهم ، وألقى اللَّه عزّو جلّ في قلوب الفريقين الرعب « 1 » . لم يكن عمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا المجال إلّا إيجاداً للرعب في قلوب الكافرين والتعجيل في إستسلامهم ، فإنّ اليهود ما زالوا ولن يزالوا عالقين بالمال والثروة ، ويحبّونهما كحب الأنفس والأولاد ، فلم يكن للنبيّ إلّا الإضرار ببعض أموالهم وثرواتهم لتلك الغاية ، والشاهد على ذلك أنّ النبيّ لم يقطع إلّا بعض النخيل قوله تعالى : « مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى اصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِىَ الفَاسِقِينَ » ( الحشر / 5 ) ، وأمّا الدور التي هدمها النبي فكانت عبارة عن الدور الواقعة خارج الحصن بشهادة أنّهم هدموا دورهم بأيديهم عند مغادرة المدينة ، يقول سبحانه : « يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى المُؤْمُنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا اولِى الأَبْصَارِ » ( الحشر / 2 ) . فهذا العمل العسكري من النبي وأصحابه كان عملًا تكتيكيّاً لغاية قصوى ، وهو الاستيلاء عليهم بلا إراقة الدم من الجانبين ، ولولا ذلك ربّما طال الحصار وكان من المتوقّع تحقّق الاشتباك الدموي بين الطرفين . فلما رأوا أنّ النبيّ مصمّم على الاستيلاء عليهم ، سألوه أن يجليهم ويكف عن دماءهم على أنّ لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلّا السلاح ، فقبل النبيّ ، فاحتملوا من أموالهم ما إستقالت به الإبل ، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف « 2 » بابه ، فيضعه على ظهر بعيره
هامش
( 1 ) . دلائل النبوّة ج 3 ص 181 ، والمغازي للواقدي ، ج 1 ص 374 ، والسيرة النبويّة لابنهشام ج 2 ص 191 . ( 2 ) . نجاف - على وزن كتاب : العتبة التي على الباب .