ذلك المسجد مسجد القبلتين « 1 » .
وقد أثار هذا الأمر أسئلة واعتراضات من جانب اليهود بل المؤمنين أنفسهم وجاء الذكر الحكيم مجيباً عنها بما يلي :
1 - أتى جماعة من اليهود مثل رفاعة بن قيس وكعب بن الأشرف وغيرهما فقالوا : يا محمد ماولّاك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنّك على ملّة إبراهيم ودينه أرجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتّبعك ونصدّقك . وإنّما يريدون بذلك فتنته عن دينه ، وهذا هو الاعتراض الذي يتناوله الوحي مشفوعاً بالجواب : « سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا » وبعبارة أخرى إنّ التحوّل كان بأمر من اللَّه فكيف يأمر به مع انّه هو الذي جعل بيت المقدس قبلة فكيف ينقض حكمه وينسخ ما شرعه ( واليهود من القائلين بامتناع النسخ ) وإن كان بغير أمر اللَّه فهو انحراف عن الصراط المستقيم .
وأمّا الجواب فهو إنّ جعل بيت من البيوت أو بناء من الأبنية قبلة ليس لاقتضاء ذاتي فيه يستحيل التعدّي عنه ، بل جميع الأجسام والأبنية بل جميع الجهات من الشرق والغرب إليه سبحانه على السواء يحكم فيها ما يشاء وكيف يشاء ومتى شاء ، وإنّ الاعتراض نابع من قلّة عقلهم أو عدم استقامته في درك حقيقة التشريع .
وإلى هذا الجواب يشير قوله سبحانه : « قُلْ للَّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ » ( البقرة / 142 ) .
2 - لمّا كان المقدّر أن تكون الكعبة هي القبلة الأخيرة فما هو السبب في جعل بيت المقدس قبلة أولى للمسلمين ؟
والجواب : إنّ المصالح كانت تقتضي أن يصلّي المسلمون إلى القبلة الأولى في مكّة والمدينة في أوائل البعثة وأوائل الهجرة وذلك لأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكّة المكرمة وبعد الهجرة بقليل كان مبتلى بالمشركين الذين
هامش
( 1 ) . من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 178 ج 3 .