فلمّا تلاها عليهم ، قالوا : فصف لنا يا محمد كيف خلقه ( اللَّه ) ، كيف ذراعه ، كيف عضده ؟ فغضب رسول اللَّه أشدّ من غضبه الأوّل وساورهم ، فأتى جبرئيل فقال له مثل ما قال له أوّل مرّة ، وجاءه من اللَّه تعالى بجواب ما سألوه يقول اللَّه تعالى : « وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ » ( الزمر / 67 ) .
26 - طلبهم كتاباً من السماء :
إنّ اليهود كانت جاهلة بحكمة نزول القرآن تدريجيّاً وقد ورد النص بها في غير واحد من الآيات ، قال سبحانه : « وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لَانُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا » ( الفرقان / 32 ) .
إنّ في نزول القرآن تدريجيّاً منجّماً حسب الوقائع والأحداث لدلالة واضحة على أنّه وحي إلهي ينزل شيئاً فشيئاً حسب الحاجات وليس شيئاً متعلّماً عن ذي قبل من إنس أو جن ، ولكن جهل اليهود بحكمته دعاهم إلى أن يطلبوا عن رسول اللَّه نزول القرآن جملة واحدة من السماء حتّى يروا بامّ أعينهم أنّه كتاب سماوي انزل من عند اللَّه سبحانه وهم يضاهئون في هذا الاقتراح قول المشركين في مكّة « 1 » .
أتى جماعة من اليهود رسول اللَّه ، فقالوا : يا محمد ! إنّ هذا الذي جئت به لحقّ من عند اللَّه فإنّا لا نراه متّسقاً كما تتّسق التوراة ؟ فقال لهم رسول اللَّه : أما واللَّه لأنّكم لتعرفون أنّه من عند اللَّه تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة ولو اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثله ما جاؤوا به ، فقالوا : يا محمّد أما يعلّمك هذا إنس ولاجن ؟ فقال لهم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : أما واللَّه إنّكم تعلمون أنّه من عند اللَّه وإنّي لرسول اللَّه تجدون ذلك مكتوباً عندكم في التوراة ، فقالوا : يا محمد فإنّ اللَّه يصنع لرسول إذا بعثه ما يشاء ويقدر منه على ما أراد ، فأنزل علينا كتاباً من السماء
هامش
( 1 ) . الإسراء / 93 ، وقد مضى تفسيرها .