والجواب : إنّ القبلة قبلة ما لم تنسخ وإنّ اللَّه سبحانه إذا نسخ حكماً نسخه من حين النسخ لا من أصله لرأفته ورحمته بالمؤمنين ، وإليه يشير قوله سبحانه : « وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيْمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ » ( البقرة / 143 ) .
وأمّا الاقتراح الذي تقدّمت به اليهود إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من رجوعه إلى القبلة السابقة حتّى يتّبعوه ويصدّقوه فإنّما هو وعد مكذوب لايتّبعون قبلته إلى آخر الدهر ، وإليه يشير قوله سبحانه : « وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ اوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ » ( البقرة / 145 ) .
والمراد من الإيمان في الآية في قوله : « مَا كَانَ اللَّهُ لِيُضَيِّعَ إِيمَانَكُمْ » هو العمل . قال ابن عباس : قالوا كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك ؟ وكان قد مات أسعد بن زرارة والبراء بن معرور وكانا من النقباء .
وبذلك يعلم أنّ ما ذكره سبحانه قبل هذه الآيات من قصّة إبراهيم وأنواع كرامته وكرامة ابنه إسماعيل ودعوتهما للكعبة ومكّة وللنبيّ والامّة المسلمة وبنائهما البيت والأمر بتطهيره للعبادة ، كل ذلك تمهيد لحادثة تغيير القبلة وإتّخاذ الكعبة قبلة ، فإنّ تحويل القبلة من أعظم الحوادث الدينية وأهم التشريعات التي قوبل بها الناس بعد هجرة النبيّ إلى المدينة . فكانت محتاجة إلى ترويض النفوس لقبولها .
28 - مباهلة النبيّ نصارى نجران : « 1 »
لمّا كتب رسول اللَّه إلى ملوك العرب والعجم رسائلة التبليغية وبعث رسله إلى
هامش
( 1 ) . نجران في مخاليف اليمن من ناحية مكة ، وبها كان خبر الأخدود وإليها تنسب كعبة نجران ، وكانت بيعة ، بها أساقفة مقيمون منهم السيّد والعاقب اللّذان جاءا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أصحابها ودعاهم إلى المباهلة وبقوابها حتّى أجلاهم عمر . وقال زيني دحلان :
نجران بلدة كبيرة واسعة على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن تشتمل على ثلاث وسبعين قرية .
مراصد الاطلاع في معرفة الأمكنة والبقاع ، مادة ( نجران ) .