تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
والحقّ إنّه كانت كرامة عظيمة كرّمه اللَّه سبحانه بها ، وليس سليمان وحيداً في الإختصاص بتلك المكرمة بل تلاه المسيح عيسى بن مريم عندما اجتمع أجلاف اليهود وجلاوزتهم على قتله حيث رفعه إليه ونجّاه من كيدهم . يقول سبحانه : « وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيْسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِنْهُ مَالَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكَيماً » ( النساء / 157 و 158 ) . فالآية تتضمّن دعويين : الأولى : ما يقوله اليهود وهو قتل المسيح وصلبه . الثاني : ما يصرّح به القرآن وهو نفي قتله وعدم صلبه بل رفعه . وبما أنّ متعلّق القتل والصلب هو الوجود الخارجي أيجسم المسيح وروحه فيكون ذلك متعلّق الرفع أيضاً ، فهو رفع بجسمه وروحه ، وبعبارة أكثر وضوحاً إنّه رفع حيّاً لا أنّه قد أميت ثمّ رفع على ما هو المصرّح به في الأناجيل المحرّفة من موت المسيح ثمّ رفعه بعد أسبوع من صلبه أو أيام قلائل ، فما ربّما يظهر من جنوح بعض المتأخّرين من المفسّرين إلى هذا التفسير ، فهو تفسير بمحض الرأي ومخالف لظاهر الآية فإنّ الإضراب الوارد في قوله تعالى « بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ » لا يكون إضراباً عن قول اليهود إلّا برفعه حيّاً لابرفعه ميّتاً ، فإنّ هذا الرفع كان لغاية تخليص المسيح من سطوة اليهود سواء أمات بعد ذلك أم بقي حيّاً بإبقاء اللَّه تعالى له ، وعلى كل تقدير فلا يكون قوله « بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ » إبطالًا لقول اليهود إلّا إذا رفع حيّاً . وأمّا قوله سبحانه : « إِذْ قَالَ اللَّهَ يَا عِيسَى إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ » ( آلعمران / 55 ) ، فليس التوفّي هناك بمعنى الإماتة والإزهاق بل ليس للتوفّي إلّا معنى واحد وهو القبض والأخذ ، يقال : توفّيت المال منه واستوفيته : إذا أخذته كلّه ، ويقال توفّيت عدد القوم : إذا عددتهم كلّهم ، كما يقال : توفّي فلان